رأي

المرتزقة الكولومبيون ، ام إلهاءٌ عن جرائم أكبر؟

عبد الله محمد ادم

في مسرحية اهدار الدم السوداني، يصرّ كل طرف على أن يختزل الحرب في تفصيل واحد: “العدو يجلب مرتزقة من التقراي او كولومبيا! و العدو يلقي دعما من دولة كذا و دولة كذا وكأن وجود مقاتلين أجانب هو أبشع ما في هذه الحرب، بينما تُنسف المدن بالبراميل المتفجرة، وتُزهق الأرواح بالأسلحة الكيماوية و يذبح المتطرفون، الابرياء تقربا لله الحكم العدل و هم يمارسون الظلم باسمه، ويُشرّد الملايين دون سقف أو غذاء! ، و بعد كل ذلك المرتزقة فضيحة.. لكن البراميل والمجازر تفاصيل عادية .
هل يصبح جندي كولومبي او حبشي يقاتل مقابل دولار أكثر إثارة للغضب في الاعلام من قائد ( وطني ) يرمي القرى بالبراميل المتفجرة لمجرد أنها تحت سيطرة الخصم؟ و كيف يصبح الحديث عن “المرتزقة” هو الصاعق الإعلامي، بينما الأسلحة الكيماوية التي تحرق الأجساد وتسمم الأرض تُمرّر كخبر عابر؟
المضحك المبكي أن كلا الطرفين يتنافسان في اتهام الآخر بالاستعانة بالأجانب، وكأنهما نسيا أنهما نفسُهما قاتلا في اليمن وليبيا مقابل شيكات خليجية! فهل العيب في “المرتزقة” فقط حينما يكون الخصم هو من يستقدمهم؟
و في المقارنة السخيفة هذه ،أيهما أفجع.. مرتزقة أم براميل متفجرة؟
لو افترضنا أن الخبر صحيح، فهل وجود مئة مقاتل كولومبي أكثر دموية من: تشريد عشرة ملايين سوداني من ديارهم و تدمير قرى كاملة ببراميل لا تميّز بين طفل وعجوز و من استخدام أسلحة كيماوية تترك أجيالاً مشوّهة؟
ان التركيز على “المرتزقة” ليس سوى أداة لتبرير الفظائع، فبدلًا من مواجهة حقيقة أن هذه الحرب أكلت الأخضر واليابس، ننشغل بتفاصيل هامشية لنُلهيَ أنفسنا عن الجريمة الحقيقية، و الجريمة الاكبر هي استمرار المذابح بأيدي السودانيين أنفسهم! و المرتزقة الحقيقيون.. هم من يبيعون السودان بدم بارد! ،فالعار ليس في جندي أجنبي يبيع مهاراته القتالية، بل في قادة محليون يبيعون شعبهم لمصالح خارجية و في الداعمين للحرب التي حوّلت السودان إلى ساحة تجارب للأسلحة الفتاكة و في خطاب وطني مزيف يُستخدم لتبرير قتل المدنيين.
توقفوا عن تزييف الأولويات،فالسودانين لا يموتون من فضيحة المرتزقة، بل يموتون من جوع مُخطط له و قصف متعمد للمدارس والمستشفيات و صمت عالمي يُكافئ المجرمين
فليكن العنوان: نحن لا نحتاج إلى مرتزقة كولومبيين.. فجيشنا ومليشياتنا كفيلون بتدميرنا دون مساعدة أحد ،و إذا كانت البراميل المتفجرة لا تستحق إدانةً أكبر من المرتزقة.. فهذه ليست حربًا، هذه مذبحة يُرافقها إعلامٌ هزلي!”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!