رأي
الكونفدرالية كخيار لإعادة التأسيس السياسي في السودان: بين الإطار النظري والتصور التطبيقي
صالح السليمي

الملخص التنفيذي
واجه السودان أزمة سياسية انعكست في الصراع على السلطة والثروة، وكذلك ازمة أمنية عميقة تمثلت في تعدد الجيوش، مما قاد هشاشة مفرطة في مؤسسات الدولة، وزاد من حدة الاستقطاب الإثني والجهوي، كل ذلك قاد في نهاية المطاف الى الحرب التي نعيش فصول مأساتها اليوم. وقد فشلت النماذج المركزية السابقة في تحقيق الاستقرار والتنمية، ما يجعل من الضروري فتح النقاش حول بدائل جديدة لإدارة الدولة. إلى ذلك، تأتي الكونفدرالية كأحد هذه البدائل، كونها تتيح مرونة في توزيع السلطات بين مكونات إقليمية متمايزة، مع الحفاظ على إطار مشترك في مجالات أساسية مثل الدفاع والسياسة الخارجية. تهدف هذه الورقة إلى تحليل مفهوم الكونفدرالية من منظور نظري ومقارن، ثم إسقاطه على الحالة السودانية من خلال تصور تطبيقي لبناء هياكل ومؤسسات كونفدرالية بين حكومة “تأسيس” في غرب السودان (نيالا) وحكومة شرق السودان (بورتسودان). وتخلص الورقة إلى أن فرص نجاح الكونفدرالية في السودان مرهونة بقدرة الفاعلين على إدماج الجيوش المتعددة في هيكل أمني موحد، او الإبقاء على الجيشين الكبريين كل مكان سيطرته وبناء مؤسسات شفافة وفاعلة للتنسيق الأمني، مع تبني مقاربة تدريجية تستفيد من التجارب العالمية تعزز من فرص وقف الحرب وفتح آفاق للتنمية والسلام.
المقدمة والمنهجية
تشهد الدولة السودانية منذ استقلالها عام 1956 سلسلة من الأزمات السياسية التي ارتبطت أساساً بعجز الدولة المركزية عن إدارة التنوع الإثني والثقافي والجهوي (Johnson, 2016). وقد أفضت هذه الأزمات إلى حروب أهلية متكررة وانقسامات سياسية بلغت ذروتها بانفصال جنوب السودان عام 2011. مع استمرار الحرب الحالية وتعدد الجيوش وتعمق الانقسامات، يطرح سؤال جوهري نفسه: هل ما زال النموذج المركزي التقليدي صالحاً، أم أن بدائل مثل الكونفدرالية قد توفر إطاراً عملياً لإدارة الدولة؟
تعتمد هذه الورقة على منهجية وصفية-تحليلية، تستند إلى مراجعة الأدبيات النظرية حول الكونفدرالية، ودراسة نماذج دولية (الاتحاد الأوروبي، سويسرا، مجلس التعاون الخليجي، اتحاد الدول المستقلة)، ثم إسقاط هذه الخبرات على الحالة السودانية مع تقديم تصور تطبيقي. كما تستفيد الورقة من أدبيات الحكم الرشيد والتنمية المستدامة وتقارير الأمم المتحدة ذات الصلة (UNDP, 2022; World Bank, 2023).
الإطار النظري لمفهوم الكونفدرالية
الكونفدرالية هي رابطة بين دول أو كيانات إقليمية مستقلة، تقوم على اتفاقية أو دستور يحدد الصلاحيات المشتركة، عادة في مجالات محددة مثل الدفاع والسياسة الخارجية والاقتصاد الكلي (Elazar, 1991). بخلاف الفيدرالية التي تقوم على وحدة سياسية وسيادة مشتركة، فإن الكونفدرالية تقوم على سيادة الأعضاء واستقلالهم، مع تفويض محدود لمؤسسات مشتركة.
كذلك يمكن تحديد “الحدود الدنيا” للكونفدرالية في وجود مجلس كونفدرالي يمثل الأعضاء، وآلية تنسيق في السياسة الخارجية والدفاع. أما “الحدود العليا” فتشمل بناء مؤسسات شبه سيادية (محكمة، بنك مركزي، سوق مشتركة) قد تقترب من نموذج الاتحاد الفيدرالي.
النماذج الدولية المعاصرة
شهد العالم نماذج متعددة للكونفدرالية أو الهياكل القريبة منها:
•الاتحاد الأوروبي: مثال متقدم يجمع بين عناصر كونفدرالية وفيدرالية، يتميز ببرلمان منتخب ومحكمة عدل وبنك مركزي (EU, 2020).
•سويسرا (التاريخية): بدأت ككونفدرالية للكانتونات المستقلة قبل أن تتحول تدريجياً إلى فيدرالية حديثة (Linder, 2010).
•اتحاد الدول المستقلة (CIS): إطار هش يضم جمهوريات سوفياتية سابقة، يتميز بضعف مؤسساته واعتماده على التنسيق الطوعي.
•مجلس التعاون الخليجي: نموذج إقليمي أقرب للتنسيق السياسي-الأمني والاقتصادي، لكنه يفتقر إلى مؤسسات سيادية قوية.
هذه النماذج تقدم دروساً مهمة للسودان، خصوصاً ضرورة التدرج، وبناء الثقة بين الأقاليم، واعتماد مؤسسات مشتركة محدودة أولاً قبل توسيعها.
التحديات الأمنية والسياسية في السودان
الحالة السودانية شديدة التعقيد بسبب تراكم أزمات بنيوية:
•تعدد الجيوش وصعوبة إدماجها: وجود قوات الدعم السريع والحركات المسلحة والجيش يشكل عقبة رئيسية (de Waal, 2023).
•الانقسامات الإثنية والجهوية: إذ ارتبط الصراع السياسي بالهوية والثقافة، مما يعرقل بناء دولة جامعة.
•التدخلات الإقليمية والدولية: الصراع السوداني أصبح مجالاً للتنافس الإقليمي، مما يضعف استقلالية القرار الوطني.
•الهشاشة الاقتصادية: ضعف البنية الإنتاجية وانهيار الخدمات الأساسية يقوض أي مشروع سياسي مستقبلي.
هذه التحديات تتطلب حلولاً مبتكرة، حيث تقدم الكونفدرالية نموذجاً يسمح بتقاسم السلطة بطريقة مرنة، مع الحفاظ على إطار مشترك للتعاون.
التصور التطبيقي للكونفدرالية السودانية
يمكن تصور كونفدرالية سودانية بين حكومتي غرب السودان (دارفور) وشرق السودان (بورتسودان) كخطوة أولى، تقوم على المبادئ التالية:
•المجلس الكونفدرالي: هيئة عليا تضم ممثلين من الحكومتين الإقليميتين، تتخذ قرارات بالتوافق حول الأمن والدفاع والسياسة الخارجية.
•الأمانة العامة: جهاز تنفيذي مشترك مسؤول عن التنسيق الإداري والبرامج المشتركة (الصحة، التعليم، البنية التحتية).
•المحكمة الكونفدرالية: للفصل في النزاعات الدستورية بين الأعضاء.
•السياسة الأمنية المشتركة: إنشاء قوة دفاع كونفدرالية مدمجة تدريجياً من الجيوش المختلفة وفق خطة انتقالية شبيهة بتجربة البوسنة والهرسك بعد اتفاق دايتون (Paris, 2015).
•التكامل الاقتصادي: تأسيس بنك تنموي كونفدرالي وصندوق استثماري لدعم البنية التحتية والخدمات.
هذا النموذج يوفر إطاراً مرناً لإدارة التنوع، ويسمح ببناء الثقة بين الأطراف، مع إبقاء الباب مفتوحاً لتوسيع الكونفدرالية إلى مناطق أخرى.
آفاق النجاح والسيناريوهات المستقبلية
تتوقف فرص نجاح الكونفدرالية السودانية على ثلاثة عوامل أساسية:
1.إرادة سياسية للفاعلين: دون التزام حقيقي من القيادات، ستبقى الكونفدرالية حبراً على ورق.
2.قدرة على دمج الجيوش: وهو التحدي الأمني الأكبر، ويتطلب دعماً دولياً وإشرافاً محايداً.
3.بناء مؤسسات حكم رشيد: من خلال تبني مبادئ الشفافية والمساءلة والمشاركة، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة (UN, 2015).
السيناريو الإيجابي هو الانتقال التدريجي من كونفدرالية محدودة إلى اتحاد أكثر قوة مع مرور الوقت، كما حدث في سويسرا. أما السيناريو السلبي فهو الفشل الذي قد يقود إلى مزيد من التشظي.
الخاتمة والتوصيات
تشير التجربة التاريخية والسياسية إلى أن السودان بحاجة إلى نماذج بديلة لإدارة التنوع وتحقيق الاستقرار. وتقدم الكونفدرالية خياراً قابلاً للتطبيق إذا ما اقترنت بإصلاح أمني شامل، وبناء مؤسسات فاعلة، واعتماد نهج تدريجي. توصي الورقة بما يلي:
•إطلاق حوار وطني حول الكونفدرالية كخيار لإدارة الدولة.
•وضع خطة مرحلية لدمج القوات المسلحة في قوة دفاع كونفدرالية، وتبني صيغة الجيشين.
•تأسيس مؤسسات مشتركة في المجالات الحيوية فقط (الأمن، الاقتصاد الكلي، السياسة الخارجية).
•الاستفادة من خبرات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في بناء السلام وإعادة الهيكلة المؤسسية.
المراجع
•de Waal, A. (2023). Sudan’s Political Marketplace and the War. Rift Valley Institute.
•Elazar, D. (1991). Exploring Federalism. University of Alabama Press.
•European Union (2020). Treaty on European Union. Brussels.
•Johnson, D. (2016). The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. Indiana University Press.
•Linder, W. (2010). Swiss Democracy: Possible Solutions to Conflict in Multicultural Societies. Palgrave Macmillan.
•Paris, R. (2015). The Politics of Peacebuilding. Oxford University Press.
•United Nations (2015). Transforming our World: The 2030 Agenda for Sustainable Development. New York.
•UNDP (2022). Human Development Report. New York.
•World Bank (2023). Sudan Economic Monitor. Washington, DC.




