رأي

حكومة تأسيس في نيالا… بين الواقع والتحديات وآمال أهل الهامش

عادل تاج الدين جار النبي

في مدينة نيالا بجنوب دارفور، برز مشهد سياسي غير مسبوق مع إعلان حكومة تأسيس وأداء قادتها القسم. خطوة أثارت جدلًا واسعًا بين من يراها بداية لإعادة صياغة هوية الدولة السودانية، ومن يعتبرها مجرد انعكاس جديد لصراع السلطة المستمر.

لم يكن الإعلان عن حكومة تأسيس في نيالا مجرد حدث بروتوكولي، بل محطة سياسية تكشف عمق الانقسام الذي يعيشه السودان. فبينما تستقر حكومة الجيش في بورتسودان، تحاول حكومة أخرى بقيادة قوات الدعم السريع وحلفائها أن تفرض نفسها كبديل شرعي من قلب دارفور. هذا التوازي في مراكز الحكم يعكس أزمة وطنية ممتدة تجاوزت حدود النزاع العسكري إلى صراع على الشرعية نفسها.

من أبرز سمات الحكومة الجديدة أنها رفعت شعارات اللامركزية والإنصاف للمناطق المهمشة، وهي مطالب قديمة ظل أهل الهامش يرفعونها منذ عقود. كما حمل الإعلان رمزية لافتة بتغيير شعار الدولة الرسمي، وإدخال رموز جديدة تؤكد على قيم “الحرية، العدالة، المساواة”، إضافة إلى إشراك حكام الأقاليم في المجلس الرئاسي. هذه الخطوات قرأها البعض كمحاولة لإعادة رسم هوية السودان من الأطراف، في حين حذّر آخرون من خطر تكريس الانقسام الرمزي والسياسي.

لكن التحديات أمام هذه الحكومة كبيرة. فغياب الاعتراف الدولي والإقليمي قد يجعلها معزولة سياسيًا، في وقت لا تزال فيه المؤسسات الدولية تتعامل مع حكومة بورتسودان كسلطة امر واقع.

على الأرض، يسيطر الجيش على الشرق والوسط والخرطوم، فيما تمسك قوات الدعم السريع بمعظم دارفور وأجزاء من كردفان و اجزاء من جنوب النيل الازرق، مما يعكس واقعًا متشظيًا يعرقل أي مشروع وطني جامع.

المشهد الأمني بدوره لا يبعث على الاطمئنان. فقبل أداء القسم بساعات، تعرضت نيالا لهجوم بطائرة مسيّرة، لتؤكد أن دارفور لا تزال ساحة نزاع مفتوحة. هذه الحادثة تكشف هشاشة الوضع الأمني، وتطرح سؤالًا صعبًا حول قدرة حكومة تأسيس على توفير الحد الأدنى من الاستقرار لمواطنيها.

ورغم هذه العقبات، يبقى هناك أمل منظور لأهل الهامش. فنجاح الحكومة في تقديم خدمات أساسية مثل الصحة والتعليم والأمن المحلي قد يمنحها قدرًا من الشرعية الشعبية، حتى في ظل غياب الاعتراف الدولي. كما أن التركيز على الحكم اللامركزي قد يفتح الباب أمام تسوية سياسية أعمق إذا ما قوبلت بإرادة مشتركة من الأطراف المتنازعة.

أمام السودانيين، لحظة فارقة بين خيارين: إما أن تتحول حكومة تأسيس إلى مشروع سياسي يضع أسسًا لدولة جديدة أكثر عدلاً وشمولًا، أو أن تبقى مجرد انعكاس آخر لصراع السلاح والسلطة. وبين هذه التحديات والاحتمالات، يظل المواطن هو الأكثر حاجة لسلام حقيقي يعيد إليه الأمان والكرامة والعيش الكريم.

 

دالاس/تكساس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!