
مها طبيق
وسط هذا العنف والنزوح وانهيار البنية المجتمعية ، تتحمل النساء والأطفال العبء الأكبر . هؤلاء يمثلون الركيزة الأساسية لمستقبل الدولة ، لكنهم يجدون أنفسهم ضحايا لانتهاكات وحرمانات تتجاوز اللحظة الراهنة لتتحول إلى أزمات طويلة الأمد تهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي وجهود إعادة البناء .
المرأة في زمن الحرب تتحول من شريكة اجتماعية إلى معيلة قسرية ، تضطر لتحمل أعباء الأسرة وحدها بسبب فقدان الزوج أو غيابه القسري . وإلى جانب الصدمات النفسية الناتجة عن العنف المباشر ، تواجه المرأة خطر الوصم الاجتماعي المرتبط بالانتهاكات الجنسية ، ما يدفع الكثيرات إلى العزلة والانطواء . هذا الوضع يضعف رأس المال الاجتماعي ويقوّض قدرة النساء على المشاركة في إعادة الإعمار الاقتصادي والسياسي .
أما الأطفال ، فهم الضحايا الأكثر هشاشة خاصة من انقطاع التعليم ، والتعرض المباشر لمشاهد العنف ، والعيش في بيئات نزوح غير مستقرة ، كلها عوامل تترك آثارًا عميقة في نفسية الطفل ، فتظهر اضطرابات سلوكية تتراوح بين العدوانية والانطواء ، بل وقد تصل إلى القابلية للاستقطاب من قبل الجماعات المسلحة . الأخطر أن هذه الصدمات تتحول إلى إرث نفسي واجتماعي ينتقل عبر الأجيال ، مما يكرس دائرة العنف والتفكك .
وهنا تبرز مسؤولية حكومة التأسيس ، فهي المعنية ببناء نظام جديد على أنقاض الحرب ، وعليها أن تضع خطة وطنية شاملة لمعالجة هذه الجراح النفسية والاجتماعية باعتبارها جزءًا من الأمن القومي . هذه الخطة تحتاج إلى حزمة من التدابير ، يمكن تلخيصها فيما يلي :
أولًا/ تدابير نفسية–اجتماعية تقوم على إنشاء مراكز دعم نفسي مجتمعية ، وتدريب كوادر محلية على الاستجابة للأزمات ، مع دمج برامج الصحة النفسية في النظام الصحي العام .
ثانيًا/ تدابير تعليمية تضمن إعادة دمج الأطفال النازحين في التعليم من خلال مدارس مؤقتة أو حلول بديلة مرنة .
ثالثًا/ تدابير تشريعية ترتكز على سن قوانين صارمة لمحاسبة مرتكبي العنف الجنسي ، وحماية النساء والأطفال أثناء النزاعات وبعدها .
رابعًا/ تدابير اقتصادية تستهدف إطلاق برامج للتمكين الاقتصادي للنساء المعيلات ، وتوفير شبكات أمان اجتماعي للأسر المتضررة .
خامسًا/ تدابير مجتمعية تهدف إلى دعم مبادرات المصالحة ، ونشر الوعي لمحو الوصمة التي تلحق بالناجيات ، وبناء الثقة من جديد بين المكونات المحلية .
إن معالجة آثار النزاعات على المرأة والطفل هي مسألة سياسية وأمنية في صميم عملية التأسيس . فالدولة التي لا تداوي جراح نصف مجتمعها ولا تمنح أطفالها الأمل في المستقبل ، ستظل رهينة دوامة التفكك والانتكاس . ومن هنا ، تقع على عاتق حكومة التأسيس مسؤولية تبني سياسات جريئة ، عادلة ، ومستدامة تعيد للمرأة مكانتها ، وتمنح الطفل حقه في حياة آمنة ومستقبل أفضل .
بقلم : مها الهادي طبيق
13 سبتمبر 2025
mahatebig@gmail.com




