رأي

يخربون بيوتهم بأيديهم: الفلول وحلفاؤهم في مرآة التاريخ والسياسة

دكتور هشام عثمان

في كل أزمة وطنية، يظهر من يصر على تمسكه بالماضي، معتقدًا أن استعادة السلطخة القديمة ستعيد له مجده المفقود. في السودان اليوم، نرى هذا السيناريو بكل وضوح: الفلول وحلفاؤهم، الذين يرفضون الحلول السلمية، ويتمسكون بالحرب، وهم يعتقدون أن العنف المستمر سيحفظ لهم الامتيازات التاريخية ويمنع الدولة من الانهيار. لكن ما يحدث في الواقع هو العكس تمامًا؛ إنهم مثل يهود بني النضير الذين سخر منهم التنزيل الحكيم بانهم يخربون بيوتهم بأيديهم.

سياسيًا، يظهر الفلول وكأنهم يعيشون في دوامة زمنية متخيلة. يعتقدون أن العودة إلى أدوات القهر القديمة، وإعادة إنتاج شبكات النفوذ السابقة، ستحميهم من السقوط. لكن التاريخ السياسي السوداني يثبت العكس: كل محاولات استعادة النظام القديم باءت بالفشل، لأن الواقع الاجتماعي والسياسي قد تغير، والشعب أصبح أكثر وعيًا بمخاطر احتكار السلطة والثروات. وهم، في غفلتهم، ينسون أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تؤسس للشرعية، وأن استمرار الحرب سيفجر الدولة من الداخل ويزيد من الهوة بين المركز والمناطق النائية، كما حدث في حروب السودان المتعددة منذ استقلاله وحتى اليوم.

تاريخيًا، لا يمكن فهم تمسك الفلول بالحرب بمعزل عن الإرث الطويل للاحتكارات الموروثة من نظام مركزي اعتمد على الولاءات العرقية والجهوية والمحسوبية. هذا التراث لم يخلق فقط فجوة بين الدولة والمجتمع، بل أنتج أيضًا نوعًا من “الذاكرة السياسية العمياء”، حيث يرفض حاملو الامتيازات رؤية التغيير كضرورة للبقاء، ويعيشون وهم الاستقرار المزيف في ظل القمع والعنف. كل الحروب التي شنتها الدولة سابقًا لخدمة مصالح محدودة لم تحم أي نظام من السقوط، لكنها تركت آثارًا عميقة على النسيج الاجتماعي، حيث تتراكم مشاعر الغضب والخذلان، ما يجعل أي محاولة لاستعادة الماضي محاولة محكومة بالفشل منذ البداية.

اجتماعيًا، يُظهر هذا التمسك بالحرب كيف يمكن للطبقات المهيمنة أن تكون أسيرة نفسها؛ فهي تعتقد أن المجتمع يمكن أن يُخضع لتطلعاتها، بينما الواقع يشهد انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الروابط الاجتماعية. الفلول يسيطرون على وسائل محدودة، لكنهم يفتقرون إلى الشرعية الاجتماعية والسياسية، ما يجعل أي انتصار عسكري مؤقت هزيلًا ويزيد من الشعور بالانعزال والخطر المستمر. السكان في المناطق المتأثرة بالحرب يدركون أن الفلول وحلفاءهم ليسوا حماة للدولة، بل عقبة أمام استقرارها، وأن استمرار الصراع يضر بمصالح الجميع ويغذي دورة العنف والتشرد والفقر.

نفسيًا، يمكن قراءة سلوك الفلول وحلفائهم عبر نظرية “إدمان السلطة”. أولئك الذين اعتادوا على الامتيازات يرفضون التخلي عنها، حتى لو كان الثمن دمار الدولة بأكملها. هناك عنصر من الإنكار الجماعي، حيث يحاولون تبرير العنف بالحفاظ على “الترتيبات الموروثة”، لكن ما يحدث هو صراع داخلي بين الحاجة للبقاء والرغبة في الهيمنة، وهي معركة تُظهر هشاشتهم النفسية أمام الضغوط المتغيرة للمجتمع والتاريخ. كما يظهر الجانب النفسي للفلول في شعورهم الدائم بالتهديد، فيخلق لديهم ميلًا لاشعوريًا لتعميق الصراع بدل البحث عن حلول سلمية، معتقدين أن أي تنازل هو ضعف أو خسارة لمكانتهم التاريخية.

إن فهم هذه الظاهرة يحتاج أيضًا إلى قراءة ما يسمى بـ”الاستمرارية الرمزية للسلطة”: حيث يرتبط الفلول بالموروث التاريخي للدولة ليس فقط كمصالح سياسية، بل كهوية ونسب اجتماعي وثقافي، ما يجعلهم يشعرون أن التخلي عن الحرب هو تخلي عن وجودهم نفسه. هذا يفسر تمسكهم بالاستراتيجية العسكرية حتى حين تتضح هشاشتها، وهو ما يجعل عملية السلام أكثر تعقيدًا ويحول كل مبادرة إلى اختبار لإرادتهم وقدرتهم على تخطي أنفسهم.

ختامًا، ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو عسكرية، بل هو صورة مكبرة لما يمكن أن يحدث حين يتمسك فصيل من المجتمع بالوراثة السياسية على حساب الواقع الاجتماعي والديموغرافي. الفلول يخربون بيوتهم بأيديهم، وفي كل لحظة من الصراع، يُظهر التاريخ أن تمسكهم بالحرب لن يجدي نفعًا؛ فالسودان أكبر من امتيازاتهم، والمجتمع لا يمكن إجباره على تكرار أخطاء الماضي. وعلينا، كمراقبين ومفكرين، أن نكون صادقين مع أنفسنا: كل دقيقة يصرون فيها على العنف هي دقيقة يبتعدون فيها عن التاريخ الصحيح، ويزيدون فيها من احتمال انهيار الدولة ومؤسساتها، ويفتحون الطريق أمام مستقبل قد يكون أخطر من أي مرحلة سابقة في تاريخ السودان الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!