
نجم الدين دريسة
تواجه جماعة الإخوان المسلمين – أو ما يمكن تسميته بتنظيم “الإخوان المتأسلمين” – جملةً من التحديات الفكرية والتاريخية المزمنة، إذ ما زالت عاجزة عن إيجاد مقاربات واضحة تفصل بين ما هو دعوي وما هو سياسي. فمحاولاتهم البائسة للتوفيق بين “الأصل” و”العصر” لم تثمر سوى عن تناقضات داخلية عميقة، تنكشف كلما سعوا إلى السلطة التي تعد غاية كبرى بالنسبة لهم، حتى ولو اقتضى الأمر استخدام كل الوسائل الممكنة بما فيها العنف والانقلاب عليها ذاتها.
وما أن تصل الحركات الإسلامية إلى الحكم حتى تجد نفسها في مواجهة معارضة حادة، فتسقط سريعًا تحت وطأة عجزها التام عن تقديم حلول واقعية للأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن رؤيتها القاصرة لمفاهيم أساسية مثل الحريات، دولة المواطنة، وقضايا المرأة، تجعلها غريبة عن روح العصر وقيم العالم الحديث. ومع ذلك تظل هذه الجماعات تردد أسطوانتها المشروخة: “الإسلام هو الحل“. وهو شعار فضفاض يستحيل تحقيقه، خصوصًا وأن مفهوم الدولة في الإسلام – كما صاغه بعض كتاب “الصحوة الإسلامية” – يقوم على ما أسموه “الفرائض السياسية الأربع”: الحرية، الشورى، العدالة، والمساواة. وهذه المبادئ في حقيقتها ليست بعيدة عن أسس الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والديمقراطية الليبرالية باعتبارها صيغة للشورى المعاصرة.
لكن المعضلة لا تكمن في الالتباس المفاهيمي وحده، بل في موقف هذه الجماعات من الغلو والتطرف والإرهاب. فالتاريخ والمعاصرة معًا يقدمان شواهد دامغة على ارتباط أيديولوجية الإخوان بالعنف منذ نشأة التنظيم، عبر تشكيل خلاياهم العسكرية الخاصة وارتكاب الاغتيالات والتصفيات الجسدية. كما غذّى خطابهم الفكري – لا سيما كتابات سيد قطب مثل معالم في الطريق و”الحاكمية لله وجاهلية المجتمع” – نزعات التطرف والإرهاب التي ألهمت حركات التكفير والعنف حول العالم.
ومع أن خطابهم الخارجي غالبًا ما يتزين بمفردات “الديمقراطية” و”حقوق المرأة” و”إدانة الإرهاب”، إلا أن خطابهم الداخلي لا ينفك يمارس التعبئة الشعبية، والتحريض على العنصرية، وإشاعة الكراهية والتكفير، وتبرير كل أشكال العنف. هذا التناقض الصارخ يمثل تحديًا جوهريًا لمصداقيتهم.
الحقيقة أن الأمر لم يعد يتطلب “مراجعات فكرية” شكلية بقدر ما يحتاج إلى تجاوز شامل لخطاب ماضوي تجاوزه الزمن، خطاب يفتقر إلى العقلانية ويعتمد على إثارة العواطف والوجدان. فالإسلام السياسي في مجمله بُني على مقاربات وجدانية خاوية من التفكير العقلاني، رغم أن القرآن الكريم نفسه دعا في عشرات المواضع إلى إعمال العقل والتدبر والتفكر.
لقد وجدت هذه الجماعات في الشخصية السودانية – المعروفة بعمقها الوجداني وغرقها في ثقافة الغيبيات والتسليم – تربة خصبة لبث خطابها العاطفي، فكانت النتيجة تجربة سياسية مشوّهة تُعد من أسوأ ما مرّ على التاريخ الإنساني.




