مجتمع

لسيادة والمؤسسات الوطنية في خطاب البرهان: بين الادعاء والواقع

عباس أحمد السخي

السيادة والمؤسسات الوطنية في خطاب البرهان: بين الادعاء والواقع

 

عباس احمد السخي 

يقدّم البرهان نفسه في خطابه الأخير باعتباره منفتحًا على أي جهود دولية أو إقليمية تهدف إلى إيقاف الحرب، بشرط الحفاظ – كما يقول – على وحدة وسيادة البلاد وصون مؤسساتها الوطنية. غير أن هذا الادعاء يتناقض تمامًا مع حقيقة أفعاله وسياساته، بل يتماهى بشكل شبه كامل مع ما تروّج له الدبلوماسية المصرية، التي تسعى لترسيخ وضعٍ يجعل السودان تابعًا لإرادتها، مستخدمة في ذلك لغة السيادة والوحدة كغطاء لـ “بلطجة سياسية” فجة.

فالبرهان، وهو يتحدث عن السيادة، يغفل – أو يتعمد إغفال – أن المؤسسة العسكرية التي يقودها هي نفسها من أشرفت على تقسيم السودان الى شمال وجنوب، ثم واصلت تواصل اليوم في سياسات التشظي عبر سن تشريعات عنصرية وتمييزية مثل “قانون الوجوه الغريبة غير المنشور”، وتغيير العملة بما يضر مناطق بعينها، ومنع طلاب دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق من الجلوس لامتحان الشهادة السودانية. هذه الإجراءات لا يمكن أن تُقرأ إلا كخطط لدفع تلك المناطق دفعًا نحو خيار الانفصال، تمهيدًا لإبقاء الحكم متركّزًا داخل ما يُعرف بـ “مثلث حمدي”، حيث النفوذ الاقتصادي والسياسي للإسلاميين.

وإذا كان الحديث عن السيادة يستدعي حفظ الأرض قبل أي شيء، فكيف يمكن أن يتحدث البرهان عن سيادة السودان وهو الذي سلّم عمليًا مثلث حلايب لمصر؟! إن هذا التناقض الصارخ يفضح أن الخطاب ليس سوى واجهة لتبرير استمرار حكمه، لا التزامًا حقيقيًا بمبدأ السيادة الوطنية.

أما “المؤسسات الوطنية” التي يكرر البرهان الحديث عنها، فهي في حقيقتها ليست سوى الجيش والأجهزة الأمنية التي جرى تدجينها وتحويلها إلى أدوات لحماية مشروع الإسلاميين، لا لحماية السودان. فبدل أن تكون هذه المؤسسات جامعة لكل أبناء الوطن، أصبحت حكرًا على تنظيم سياسي بعينه، يخدم بقاء البرهان على رأس السلطة ويؤمّن عودة الإسلاميين إلى صدارة المشهد.

ومن جانب آخر، فإن مصر تدرك أن وجود البرهان والإسلاميين على رأس الحكم يخدم مصالحها الاستراتيجية: فهي تضمن بقاء السودان خاضعًا لإرادتها فيما يتعلق بملف سد النهضة ومياه النيل، وتستفيد من استنزاف موارده الطبيعية عبر إعادة تصديرها في شكل منتجات مصرية، فضلًا عن التسهيلات الاقتصادية والسياسية التي لم تحصل عليها من أي نظام سوداني سابق. ولذلك، فإن القاهرة تجد في دعم البرهان استثمارًا طويل الأمد، خاصة في ظل غياب جبهة دبلوماسية قوية وموحّدة للمعارضة السودانية تستطيع كشف هذه الحقائق للرأي العام الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة.

وإذا قارنا خطاب البرهان بخطاب سلفه البشير، نلحظ تكرارًا مدهشًا للغة الشعارات نفسها؛ فالبشير بدوره ظل يرفع شعار “السيادة الوطنية” في مواجهة الضغوط الدولية والعقوبات الأممية، لكنه في الواقع قدّم تنازلات استراتيجية كبرى، بدءًا من اتفاقيات النفط والذهب، وصولًا إلى تسليم ملفات حساسة للمخابرات الإقليمية والدولية بما في ذلك ملفات الإسلاميين الذين استقطبهم النظام الى السودان، بل وحتى التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة في سنواته الأخيرة. كانت السيادة في خطاب البشير مجرد أداة لابتزاز الداخل وكسب الشرعية أمام قواعده، بينما على الأرض كان يفرّط في القرار الوطني ويعزل السودان دوليًا. هذا الإرث هو ما يكرّره البرهان اليوم، بوسائل أكثر مباشرة وانكشافًا.

إن جوهر المشكلة إذن أن خطاب “السيادة” و”المؤسسات الوطنية” عند العسكريين الإسلاميين، من البشير إلى البرهان، لم يكن يومًا تعبيرًا عن إرادة حقيقية لبناء دولة وطنية جامعة، بل مجرد غطاء لإطالة عمر النظام واستدعاء شرعية زائفة أمام الشعب والعالم. الفرق أن السودان اليوم أضعف وأفقر وأكثر هشاشة مما كان عليه في عهد البشير، وهو ما يجعل استمرار هذا الخطاب المزدوج أكثر خطورة، لأنه يهدد بتمزيق ما تبقى من الوطن وإعادة إنتاج تبعيته في صورة أشد قسوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!