رأي

الكيزان وتمزيق السودان: حين يصبح الوطن ثمناً للعودة إلى الحكم

مؤيد الأمين

مقدمة

يعيش السودان اليوم واحدة من أكثر لحظاته التاريخية قسوة واضطراباً. وطنٌ أنهكته الحروب والانقسامات، وجسدٌ متهالك تتنازعه حكومتان وسلطتان متوازيتان، بينما الشعب بين الجوع والموت والتهجير. في ظل هذا الانهيار، يتكشف الدور الخطير الذي لعبه ويواصل لعبه تنظيم الإخوان المسلمين (الكيزان) في تمزيق هذا البلد العظيم، وإصرارهم المهووس على العودة إلى الحكم ولو على أشلاء الوطن والمواطن.

لقد كان هدف الكيزان منذ انقلابهم الأول عام 1989 هو التمكين والسيطرة لا البناء ولا الدولة. واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود من الخراب، تتجلى نتائج مشروعهم بوضوح: وطنٌ مفكك، مجتمعٌ ممزق، ومؤسساتٌ مدمّرة.

أولاً: جذور التمزيق – من شعار “هي لله” إلى “هي لنا”

حين استولى الإخوان المسلمون على السلطة في يونيو 1989 عبر انقلاب عسكري قاده عمر البشير بتخطيط من الجبهة الإسلامية القومية، رفعوا شعارات دينية براقة مثل “هي لله لا للسلطة ولا للجاه”، لكن ما لبث أن تبيّن أنها كانت غطاءً لخطة طويلة الأمد تهدف إلى السيطرة على الدولة ومفاصلها كافة.

منذ ذلك اليوم بدأ السودان يفقد تماسكه قطعةً بعد أخرى، لأن الكيزان لم يؤسسوا دولة وطنية بل إمبراطورية حزبية مغلقة تدين بالولاء للتنظيم لا للوطن.

تم إقصاء كل من لا ينتمي إلى الحركة الإسلامية من الخدمة المدنية والعسكرية والتعليم والإعلام، فزرعوا الكراهية والتمييز بين أبناء الوطن الواحد، وبدأت الشروخ في الجسد الوطني تظهر بوضوح.

ثانياً: فصل الجنوب… أولى نتائج المشروع الإخواني

كان انفصال جنوب السودان عام 2011 أبرز ثمار سياسة الإقصاء والتمكين التي زرعها نظام الإخوان. فعوضاً عن معالجة المظالم التاريخية بالتنمية والعدالة والمشاركة السياسية، واجه النظام مطالب الجنوبيين بالعنف والحرب تحت غطاء “الجهاد”، مما عمّق الفجوة الثقافية والدينية بين الشمال والجنوب.

استغل النظام الدين كسلاح سياسي، فحوّل الحرب إلى حرب عقائدية، مما جعل الانفصال نتيجة حتمية، بل إن الكيزان أنفسهم كانوا مستفيدين منه، إذ تخلصوا من عبء سياسي واقتصادي كانوا يخشون أن يهدد سلطتهم في الخرطوم.

لكن انفصال الجنوب لم يكن نهاية المطاف، بل بداية سلسلة من الانقسامات الجديدة التي ستستمر حتى يومنا هذا، لأن المرض الذي زرعه الإخوان في بنية الدولة السودانية لم يُعالج قط.

ثالثاً: بعد الثورة… عودة الشبح الإخواني بثوب جديد

عندما أسقط الشعب السوداني نظام البشير في ثورة ديسمبر المجيدة عام 2019، ظنّ كثيرون أن صفحة الكيزان قد طُويت. لكن الواقع كشف أن هذا التنظيم الأخطبوطي لا يموت بسهولة. فقد أعاد ترتيب صفوفه في الظل، وتسلل عبر مؤسسات الدولة والإعلام والجيش، وبدأ يعمل على إفشال المرحلة الانتقالية بكل الوسائل.

منذ اللحظة الأولى، شنّ الكيزان حملة منظمة لتشويه قوى الثورة، وزرع الشقاق بين المدنيين والعسكريين. دعموا الانقلابات والتحريض القبلي والإشاعات الإلكترونية، وكل ذلك بهدف خلق فوضى منظمة تتيح لهم العودة كمنقذين مزعومين للوطن من الانهيار الذي تسببوا فيه هم أنفسهم.

لقد نجحوا في إشعال الحرب الحالية بين الجيش وقوات الدعم السريع، عبر شبكاتهم داخل المؤسستين، وأوقعوا البلاد في جحيم جديد لا يعرف له أحد نهاية.

رابعاً: حرب الإخوان الجديدة – السودان بين حكومتين وجوعٍ عام

اليوم يعيش السودان مأساة وجود حكومتين في دولة واحدة:

حكومة في بورتسودان تمثل بقايا النظام العسكري ومؤسسات الدولة الرسمية، لكنها تحت وصاية واضحة من رموز النظام الإخواني الذين عادوا إلى الواجهة تحت مسميات جديدة.

وحكومة موازية في الخرطوم تحت سيطرة قوات الدعم السريع، التي يدّعي بعض رموز الإسلاميين دعمها سراً لإطالة أمد الحرب وتفتيت البلاد أكثر.

في ظل هذا الانقسام السياسي، انهار الاقتصاد كلياً، وانتشرت المجاعة في أقاليم دارفور وكردفان والخرطوم والجزيرة. مئات الآلاف من السودانيين يواجهون الجوع والموت بينما تتصارع النخب السياسية على المناصب والمكاسب.

ومع ذلك، لا يبدي الكيزان أي اكتراث لهذه المأساة. جلّ اهتمامهم هو العودة إلى الحكم بأي وسيلة، حتى لو كان الثمن تفكيك ما تبقى من السودان.

خامساً: أدوات الكيزان لتقسيم الوطن

1. التحريض القبلي والجهوي

منذ بداية التسعينات، اعتمدت الحركة الإسلامية على سياسة “فرق تسد”. فبدلاً من تعزيز الهوية الوطنية، غذّت الانتماءات القبلية والعنصرية لخدمة أهدافها.

أنشأت ميليشيات قبلية موالية، مثل “الدفاع الشعبي” و”الشرطة الشعبية”، واستغلت الفقر والجهل لتجنيد الشباب في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

واليوم تتكرر ذات الأساليب في الحرب الحالية، حيث يُحرَّض المواطنون بعضهم على بعض تحت شعارات “الجيش ضد الدعم” أو “العرب ضد الزرقة”، بينما الهدف الحقيقي هو تفكيك المجتمع حتى يسهل السيطرة عليه.

2. تفكيك مؤسسات الدولة

عمل الكيزان طيلة ثلاثة عقود على تدمير الخدمة المدنية والتعليم والقضاء والإعلام. وعندما قامت الثورة، كانت مؤسسات الدولة فارغة من الكفاءات ومليئة بالموالين للتنظيم.

هذا الانهيار المؤسساتي جعل من السهل إشعال الحروب والانقلابات، لأن الدولة فقدت مناعتها.

بل إن بعض رموز النظام القديم اليوم يديرون المشهد من وراء الستار، يتلاعبون بالطرفين المتحاربين ويبتزون المجتمع الدولي عبر بوابة “الشرعية الدستورية”.

3. السيطرة على الخطاب الديني

من أخطر أدوات الكيزان هي احتكارهم للمنابر الدينية. فقد زرعوا دعاةً يبررون القتل باسم “الجهاد” والطاعة العمياء للحاكم، مما جعل الدين أداة لتبرير الفساد والاستبداد.

وفي الحرب الحالية، تُستخدم المساجد مرة أخرى للتحريض السياسي، ولتبرير استمرار القتال تحت دعاوى “الكرامة” و“حماية الإسلام”، بينما في الحقيقة هي معركة من أجل السلطة والمال.

سادساً: السودان الممزق… كيان في طريق الزوال

ما يحدث الآن من قيام حكومتين وتعدد الجيوش وغياب أي مشروع وطني جامع هو بداية تفكك السودان من الداخل.

الإقليم الشرقي يتحدث عن حكم ذاتي، وغرب السودان غارق في صراعات قبلية دامية، والشمال يئن تحت أزمات المعيشة والهجرة، والخرطوم تحولت إلى أطلال مدينة كانت يوماً القلب النابض للوطن.

كل هذا ليس صدفة، بل هو نتيجة مباشرة لسياسات الإخوان المسلمين التي غابت عنها الوطنية وحضر فيها الطمع والسلطة.

فهم لا يرون في السودان وطناً يحتضن الجميع، بل يرونه غنيمة يجب اقتسامها بينهم. لهذا لا يبالون إن انقسم السودان إلى خمس دول أو أكثر، ما داموا يضمنون لأنفسهم موطئ قدم في إحدى هذه الدويلات.

سابعاً: الإخوان بين “التمكين القديم” و”التمكين الجديد”

بعد سقوط البشير، فقد الكيزان تمكينهم السياسي، لكنهم لم يفقدوا تمكينهم الاقتصادي.

شركاتهم الضخمة وأموالهم المنهوبة من الشعب ما تزال تمول أنشطتهم الإعلامية والسياسية. واليوم نراهم يعودون عبر واجهات جديدة:

في الإعلام عبر قنوات ومنصات تبث من الخارج، تروّج لمفاهيم “استعادة الدولة” و“التصحيح العسكري”.

في السياسة عبر تحالفات زائفة مع بعض القيادات العسكرية والمدنية التي تبحث عن دعم مالي.

في المجتمع عبر جمعيات “خيرية” ظاهرياً، لكنها في الواقع مراكز تعبئة وتنظيم لعودة الحزب المحظور.

إنهم يعدّون لمرحلة التمكين الجديد، تماماً كما فعلوا في 1989، مستخدمين نفس الخطاب الديني ونفس أدوات التضليل، ولكن بوسائل أكثر حداثة وتأثيراً.

ثامناً: ثمن العودة إلى الحكم… أشلاء وطن

في ظل المجاعة التي تهدد ملايين السودانيين، والانهيار الكامل للبنية الصحية والتعليمية، لم نسمع من الكيزان سوى خطابات التحريض والدعوة للتعبئة.

لا حديث عن إغاثة أو مصالحة أو بناء وطن، بل حديث عن “النصر” و”المؤامرة” و”التمكين من جديد”.

لقد أثبتوا عبر التاريخ أنهم مستعدون لبيع الوطن مقابل الكرسي.

فهم من سلّموا الجنوب، ودمّروا دارفور، وقهروا النيل الأزرق، وها هم اليوم يعيدون إنتاج المأساة نفسها في الخرطوم والجزيرة ودارفور.

تحت رايتهم احترقت القرى، وانهارت المدارس، وانتشر الجوع، وكل ذلك باسم “المشروع الحضاري” الذي لم يورث السودان سوى الخراب.

تاسعاً: الخلاص الوطني من إرث الكيزان

إن إنقاذ السودان من التقسيم والانهيار يتطلب مواجهة شجاعة وصريحة مع إرث الكيزان.

أولاً: تفكيك شبكاتهم الاقتصادية والإعلامية التي ما تزال تموّل الفوضى.

ثانياً: إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية لتكون وطنية لا حزبية.

ثالثاً: تبني مشروع وطني جامع لا يميز بين جهة أو قبيلة أو دين.

رابعاً: محاسبة كل من شارك في جرائم النظام السابق دون انتقام ولكن بعدالة حقيقية.

لا يمكن بناء وطن جديد دون اجتثاث جذور الفساد العقائدي الذي غرسه الإخوان في وعي الدولة والمجتمع.

فالوطن اليوم ليس بحاجة إلى مزيد من الشعارات الدينية، بل إلى مشروع إنساني ووطني يعيد للإنسان السوداني كرامته المسلوبة.

*خاتمة*

إن ما يجري في السودان اليوم ليس سوى الفصل الأخير من مأساة صنعها الكيزان بأيديهم.

منذ انقلابهم الأول وحتى الحرب الحالية، ظل هدفهم واحداً: الحكم والسلطة، لا الوطن ولا المواطن.

لقد قسّموا السودان جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، وأشعلوا الحروب باسم الدين، واستباحوا ثرواته باسم “التمكين”، وها هم الآن يدفعون الوطن كله نحو الهاوية وهم يضحكون من بعيد.

لكن رغم كل هذا، يبقى الأمل في الشعب السوداني العظيم، الذي أسقط الطغاة من قبل، وسيسقطهم من جديد.

فمهما طال الليل، لا بد أن تشرق شمس السودان الحرة، خالياً من الإخوان ومن كل من يتاجر بالدين والوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!