
علي أحمد
في مقطع فيديو نشرته قوات الدعم السريع يوم أمس، ظهر الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” متحدثاً لأول مرك بصفته رئيس المجلس الرئاسي لحكومة تأسيس السودان، إلى جانب رئيس وزراء الحكومة محمد حسن التعايشي، وحاكم إقليمها (دارفور) الهادي إدريس، مخاطبًا جمعًا من قيادات الإدارة الأهلية في قاعة بمدينة نيالا. هذا الظهور، الذي أعاد حميدتي إلى واجهة المشهد السياسي بعد فترة من الصمت النسبي، حمل ملامح تحول في الخطاب من لغة الميدان إلى لغة الدولة، ومن السجال العسكري إلى محاولة بلورة سردية سياسية أكثر اتزانًا حول جذور الحرب ومستقبلها.
قدّم حميدتي في خطابه سردية متماسكة تعيد توصيف الصراع، لا كحرب بين الجيش والدعم السريع، بل كمواجهة مع تنظيم الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية. بهذا التحديد، يسعى الرجل إلى نزع الطابع الفصائلي عن الحرب، وإلى إعادة توجيهها في إطار وطني جامع، يميّز بين المؤسسة الرسمية ومراكز النفوذ الأيديولوجي داخلها.
وفي حديثه عن الاتفاق الإطاري ومسألة دمج قوات الدعم السريع، ركّز حميدتي على ضرورة الالتزام بالعهود السياسية السابقة، معتبرًا أن التراجع عنها كان أحد أسباب الانفجار. وقدّم نفسه كمدافع عن المسار المدني، متمسكًا بمبدأ الحوار والانتقال السلمي، في تذكير بأن الأزمة الراهنة يمكن أن تُحل بالسياسة لا بالسلاح.
كما لفت الانتباه إلى تفاصيل دقيقة عن محضر اجتماع عسكري قال أنه تضمّن خطة لهزيمة قواته خلال “أربع ساعات”، ليقدّم من خلاله تفسيرًا دفاعيًا للحرب، دون أن يتخلى عن نبرة الثقة وضبط النفس. هذه المقاربة تمنح خطابه بعدًا عقلانيًا، إذ يوازن بين الإقرار بالقوة العسكرية والدعوة إلى الحل السياسي.
في المجمل، يعبّر خطاب نيالا عن رغبة واضحة في إعادة تموضع الدعم السريع داخل المشهد الوطني، عبر لغة أقل حدّة وأكثر مسؤولية.
إنه خطاب يرسم ملامح مرحلة جديدة تُبنى على سردية سياسية، تحاول أن تستبدل منطق المواجهة بمنطق التأسيس والمصالحة، وتؤكد أن الكلمة، في نهاية المطاف، قد تكون أقوى من الرصاصة.




