رأي

المحامي بكري منصور: مشنقة العدالة وامتحان الضمير الإنساني

د.فاطمة الزين الغالي

د. فاطمة الزين الغالي

في كل المجتمعات التي تتداعى تحت وطأة الحروب، يظلّ هناك من يصرّ على إبقاء جذوة الإنسانية متقدة. وفي مدينتنا سنجة، كان هذا الإنسان هو الأستاذ المحامي بكري منصور، الذي لم يترك أهله ولا مدينته حين كان الجميع يفرّون طلبًا للنجاة.

لقد عرفتُ أسرة الأستاذ بكري معرفةً وثيقة منذ سنوات طويلة، أسرة عُرفت بكرمها ونُبلها وإغاثتها للملهوف، يفتحون بيوتهم للفقراء والنازحين، ويمدّون أيديهم لكل محتاج دون منٍّ أو أذى. وما فعله بكري لم يكن غريبًا عن بيتٍ تربى فيه على قيم الشرف والمروءة والعطاء.

حين دخلت قوات الدعم السريع مدينة سنجة، وانسحب جيش البرهان وفرّ قادته، تركوا الناس لمصيرٍ قاسٍ يفتك بالضعفاء والمرضى والمسنين. كان يمكن لبكري، مثل غيره، أن يرحل بحثًا عن الأمان، لكنه اختار البقاء، مؤمنًا بأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يقدّمه في لحظات الخطر.

فقد كان يدير صيدلية عائلية تحوّلت إلى الملاذ الوحيد لمئات المرضى الذين انقطعت بهم السبل، خاصة مرضى الضغط والسكر والفشل الكلوي. وسط انقطاع الدواء، وانعدام الخدمات، وغياب الدولة، ظلّ أبو بكر يوزع الأدوية على الناس مجانًا في كثير من الأحيان، مسانداً الأطباء القلائل الذين بقوا، ومقدّمًا العون دون تفرقة بين أحد.

لقد عاينت بنفسي – من خلال أقارب وأصدقاء في المدينة – حجم المأساة التي كانت تعيشها سنجة، وشهدتُ شهاداتٍ كثيرة عن صمود هذا الرجل الذي واجه الموت كل يومٍ بابتسامةٍ صادقة. لم يكن بطلاً في ميدان السياسة، بل كان بطلاً في ميدان الضمير الإنساني.

لكنّ أكثر ما يوجع في هذه الحكاية أن هذا الموقف النبيل تحوّل اليوم إلى جريمةٍ يعاقب عليها بالإعدام شنقًا حتى الموت. حكمٌ لا يعبّر عن عدالة، بل عن انحدارٍ أخلاقيٍ غير مسبوق. أن يُدان رجل لأنه اختار البقاء بين أهله، وأن يُتهم بالتعاون مع جهةٍ مسلحة فقط لأنه أنقذ حياة الناس — فهذا ليس حكمًا قضائيًا، بل طعنةٌ في قلب الإنسانية نفسها.

لقد تعرض الأستاذ بكري للتعذيب الجسدي والنفسي شهورًا طويلة، قبل أن يُحكم عليه بالسجن المؤبد، ثم يُرفع الحكم بجرّة قلم إلى الإعدام شنقًا. إنها ليست قضية قانونية، بل رسالة تخويفٍ مرعبة لكل من يحاول أن يكون إنسانًا وسط الخراب. فالمطلوب أن يُطفأ كل ضوء، وأن يُقتل فينا آخر ما تبقّى من الرحمة.

إن ما يجري اليوم لا يستهدف بكري وحده، بل يستهدف فكرة الخير ذاتها. إنهم يريدون أن يقولوا للناس: “من يفعل المعروف، من يساعد الجائع والمريض، من يمدّ يده لأخيه، سيكون مصيره المشنقة.” إنها محاولة لاغتيال الضمير الجمعي للشعب السوداني، ذاك الضمير الذي ظلّ، رغم الحروب والمجاعات، ينبض بالعطف والتكافل.

وإنني إذ أكتب هذه الكلمات، لا أكتب دفاعًا عن صديقٍ أو عن أسرةٍ عزيزة على قلبي فحسب، بل عن قيمٍ إنسانيةٍ عليا تنهار تحت سيف الحقد والانتقام. إن إعدام بكري منصور ليس فقط اعتداءً على حياته، بل انتهاكٌ لحرمة النفس البشرية التي كرّمها الله، ومحاولةٌ لقتل فكرة أن الخير لا يزال ممكنًا في هذا الوطن الجريح.

لقد تحوّل السودان، للأسف، إلى سجنٍ كبيرٍ يملكه من لا يعرفون الرحمة. آلاف الأبرياء يُحتجزون في سجون البرهان وزبانيته، كثير منهم لم يحمل سلاحًا ولم يخض حربًا، بل كانت جريمتهم أنهم أحبوا وطنهم بطريقتهم الخاصة.

إن ما يحدث اليوم يتطلب موقفًا عاجلًا من منظمات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وكل الضمائر الحرة في العالم. على هؤلاء أن يتحركوا لإنقاذ حياة الأستاذ بكري منصور، وإنقاذ عشرات الآلاف من السودانيين الذين يواجهون المصير نفسه خلف الجدران المظلمة في بورتسودان وسنجة ومدني.

لقد أرادوا أن يجعلوا من مشنقة بكري رسالة خوف، لكنها ستكون — بإذن الله — رسالة إلهام لكل من يرفض أن يبيع ضميره. فبكري اليوم ليس مجرد إنسانٍ يُحاكم، بل رمزٌ لكل من ظلّ واقفًا حين انحنى الآخرون، وصوتٌ لكل من يؤمن بأن الخير أقوى من الرعب، وأن الإنسانية لا تُشنق.

ولأن الحق لا يموت، فإننا نؤمن أن بكري، وإن قتلوه جسدًا، سيبقى في ذاكرة الوطن ضميرًا حيًّا وشعلةً مضيئة في زمنٍ يوشك أن يغرق في الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!