رأي

حين تمتد الخيانة إلى حرم المدرسة وتُغتال البراءة

براءة حامد

 

براءة حامد

في مدينة الأبيض، شهد السودان واحدة من أبشع الجرائم التي يمكن أن تهز الضمير الإنساني، جريمة لم تقع في شارعٍ مظلم أو في مكانٍ مهجور، بل في أكثر الأماكن التي يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا للأطفال — داخل مدرسة ابتدائية.

طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها الثامنة، أُرسلت من معلمتها لجلب الطباشير، لتقع ضحيةً لذئبٍ بشريٍّ في هيئة معلّم تربية إسلامية، خان رسالته التربوية قبل أن يخون إنسانيته، فارتكب جريمة اغتصابٍ وحشيةٍ داخل أسوار المدرسة التي يفترض أن تحتضن البراءة لا أن تغتالها.

القصة بدأت حين لاحظت أسرة الطفلة تدهور حالتها الصحية بعد عودتها من المدرسة، فسارعت بإسعافها إلى المستشفى. وجاء التقرير الطبي صادمًا، إذ أكد وجود مؤشرات اعتداء جنسي، لتبدأ السلطات التحقيق في جريمةٍ تقشعر لها الأبدان، بينما كشفت إفادات الطفلة عن أن الجاني من بين طاقم المدرسة نفسه.

لكن ما زاد الفاجعة ألمًا، هو محاولة إدارة المدرسة التستر على الجريمة في بدايتها، بحجة “الحفاظ على سمعة المؤسسة”، وكأن سمعتها أهم من إنسانية طفلةٍ بريئةٍ اغتُصبت داخل فصولها. هذه المحاولة البائسة تُعدّ خيانةً مزدوجة — خيانة للأمانة التربوية، وخيانة للضمير الإنساني.

لقد أثارت هذه الجريمة المروعة عاصفة من الغضب والاستنكار في الشارع العام ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث طالب النشطاء والحقوقيون بمحاسبة الجاني ومن تستر عليه، وبتحويل القضية إلى رأي عام حتى تتحقق العدالة. كما دعا كثيرون إلى مراجعة منظومة التعليم الخاصة والعامة التي تُعيّن معلمين بلا تأهيلٍ كافٍ، فقط لأنهم يقبلون بأجورٍ زهيدة، في غيابٍ تامٍ للرقابة والمساءلة.

إن ما حدث في الأبيض ليس حادثًا فرديًا فحسب، بل هو مؤشر على خللٍ عميقٍ في منظومة حماية الأطفال داخل المؤسسات التعليمية. نحن أمام جرس إنذارٍ جديد يفرض على المجتمع والدولة أن يقفا بجدية أمام هذه الجرائم، وأن تُسنّ قوانين رادعة لحماية الصغار وتشديد الرقابة على المدارس.

الطفلة التي خرجت ذات صباح تحمل حقيبتها ودفترها وقطعة طباشير، عادت مكسورة الجسد والروح — ضحية لمجرمٍ ولمنظومةٍ صمتت. ومن واجبنا اليوم أن نحول هذه المأساة إلى موقفٍ وطنيٍّ وأخلاقيٍّ جاد، وأن نصرخ جميعًا:

لن تُغتال البراءة مرتين — مرة بالفعل، ومرة بالصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!