رأي

(بين الحرب وسقوط القيم: التعليم السوداني في محنة الأخلاق والانقسام))

عماد جدو

 

عماد جدو 

في بلدٍ كان التعليم فيه يوماً منارةً للفكر والانضباط، يواجه السودان اليوم واحدة من أعمق أزماته الأخلاقية والتربوية في ظل الحرب الدائرة بين قوات الدعم السريع ومليشيات الفلول الإرهابية.

هذه الحرب لم تكتفِ بتدمير المدن وتهجير الملايين، بل امتدت لتقويض أهم مؤسسات بناء الإنسان: المدرسة السودانية.

مدرستان في وطنٍ واحد

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تدهورت البنية التعليمية في عموم السودان، لكن مظاهر التدهور اختلفت باختلاف مناطق السيطرة.

في الولايات الشمالية والبحر الأحمر والنيل الأبيض وشمال كردفان – الخاضعة لسيطرة مليشيات الفلول – تحولت المدارس إلى منابر تعبئة دينية وتنظيمية تخدم أجندات الحرب، بعد أن فقدت العملية التعليمية استقلالها تماماً.

أما في مناطق دارفور وجنوب وغرب كردفان الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ورغم الدمار والنزوح، تبذل المجتمعات المحلية جهوداً متواضعة للحفاظ على التعليم المدني من خلال مبادرات مجتمعية تهدف إلى حماية الأطفال من الجهل والتجنيد.

التعليم أداة تعبئة لا تنوير

في مناطق الفلول، لم يعد المعلم مربياً أو ناقلاً للمعرفة، بل تحوّل إلى أداة تعبئة عقائدية.

تُلقّن المناهج الطلاب شعارات “الاستنفار” و”الجهاد”، وتُزرع فيهم مفاهيم العداء والكراهية، بينما تُدار المدارس من قبل غرف أمنية وتنظيمية تحت إشراف قيادات من النظام البائد.

هكذا تحوّل التعليم إلى وسيلة لتكريس خطاب العنف وإعادة إنتاج الفكر الأحادي الذي دمّر السودان من قبل، بينما تم تغييب قيم التسامح والعقل النقدي والبحث الحر.

جريمة تهز الضمير: معلم يغتصب طفلة

القضية التي فجّرت الغضب الشعبي كانت حادثة اغتصاب الطفلة ذات الست سنوات داخل مدرسة الدوحة النموذجية الابتدائية الخاصة بمدينة الأبيض.

الفاعل هو المعلم صالح محمود، أحد قيادات المؤتمر الوطني المنحل، والذي درس بجامعة القرآن الكريم فرع الأبيض، وتخصص في تدريس التربية الإسلامية.

بعد اندلاع الحرب، انضم المتهم إلى المستنفرين من الإسلاميين، ثم أصبح مسؤولاً بفيلق “البراء” – قطاع كردفان.

وبحسب مصادر محلية، للمتهم سوابق في التحرش بالطالبات والمستنفرات، لكن الحماية التنظيمية حالت دون محاسبته.

هذه الحادثة، التي ارتكبها من يفترض به أن يكون قدوة أخلاقية، كشفت انهيار منظومة القيم في مناطق سيطرة الفلول، وأكدت أن الخطر الحقيقي لم يعد في الدمار المادي، بل في الدمار الأخلاقي الذي طال المجتمع من الداخل.

الخصخصة… تجارة التعليم على أنقاض المدارس الحكومية

في الوقت ذاته، تمدد التعليم الخاص في مناطق الفلول بصورة لافتة.

مدارس مثل الدوحة النموذجية باتت عنواناً لمفارقة مؤلمة: شعارات الجودة في العلن، وفساد أخلاقي في الخفاء.

بينما تدهور التعليم الحكومي وانسحب آلاف المعلمين بسبب تدني الأجور وانعدام الأمن، صارت المدارس الخاصة ملاذاً لأبناء الميسورين، ووسيلة جديدة للفرز الطبقي والاجتماعي.

بهذا، لم يعد التعليم وسيلة مساواة، بل سلعة تُشترى، وامتيازاً طبقياً يزيد من انقسام المجتمع السوداني.

مناطق الدعم السريع… محاولات إنقاذ مدنية

في المقابل، تسعى مناطق سيطرة الدعم السريع – رغم الانهيار العام – إلى الحفاظ على مدنية التعليم.

تعمل لجان مجتمعية في عدد من مدن دارفور وجنوب كردفان على فتح المدارس وتشغيلها بموارد محدودة، دون تدخل مباشر من السلطة العسكرية.

تلك الجهود الصغيرة تمثل بذور الأمل في الحفاظ على المدرسة السودانية كفضاء وطني مشترك، لا كساحة صراع أيديولوجي.

جيل الحرب المفقود

من أكثر نتائج الحرب مأساوية ضياع مستقبل آلاف الطلاب من مواليد 2005 و2006 و2007 الذين حُرموا من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للأعوام 2023 و2024.

هذا الجيل – الذي نشأ بين القصف والنزوح والإغلاق – أصبح ضحية حربٍ لم يخترها، وفقد فرصته في التعليم الجامعي وفي مستقبلٍ آمن.

تقديرات منظمات التعليم تشير إلى أن السودان يواجه فاقداً تربوياً ضخماً، وأن هذا الجيل يحتاج إلى برنامج وطني خاص يعوّضه عبر مناهج “رشيقة” ومكثفة تُعيد دمجه في الحياة الأكاديمية والمهنية.

رؤية الإنقاذ: التعليم لبناء الدولة لا لتعبئة الجيوش

إصلاح التعليم في السودان يتطلب إرادة سياسية جديدة تنظر إلى المدرسة باعتبارها أداة لبناء الدولة لا منصة لتثبيت الأيديولوجيا.

ولتحقيق ذلك، يقترح الخبراء وضع خطة قومية عاجلة تشمل:

تعويض الفاقد التعليمي بمناهج مكثفة للطلاب المتضررين من الحرب.

تأهيل المعلمين أخلاقياً ومهنياً، وربط التوظيف بالكفاءة لا بالولاء.

تحرير التعليم من السيطرة السياسية والعسكرية والدينية.

تحديث المناهج بما يواكب متطلبات الدولة المدنية الحديثة.

محاكمة كل المتورطين في جرائم أخلاقية داخل المؤسسات التعليمية.

إعادة التوازن بين التعليم الحكومي والخاص لضمان العدالة التعليمية.

استخدام التعليم الإلكتروني والمنصات الرقمية لسد فجوات الحرب والنزوح.

الخلاصة: معركة السودان الحقيقية تبدأ من الفصل الدراسي

ما يجري في السودان ليس حرباً على الأرض فحسب، بل حرب على العقل والأخلاق.

فحين يُغتصب طفل باسم الدين، ويُجنّد طالب باسم الوطن، نكون أمام انهيار شامل لا يوقفه نصر عسكري ولا اتفاق سياسي.

إن معركة السودان الحقيقية لا تُحسم بالبندقية، بل في قاعة الدرس، هناك فقط تُبنى الأوطان أو تُهدم.

إنقاذ التعليم اليوم يعني إنقاذ السودان غداً.

عماد ابكر جدو 

10/اكتوبر 2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!