
مؤيد الأمين
مقدمة
في ظل الدمار الذي خلفته الحروب، والفرقة التي نسجت خيوطها الأيدي الحزبية والجهوية والقبلية، يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن يستمر في الدوران داخل حلقة الصراع على السلطة، أو يختار طريق الدولة الوطنية الحقيقية التي تُبنى على أسس الحرية والديمقراطية والمواطنة المتساوية.
إن الأزمة السودانية لم تكن يومًا في وفرة الموارد أو قلة العقول، بل في غياب المشروع الوطني الجامع، وفي انحراف مفهوم الدولة عن جوهره الذي يقوم على خدمة المواطن لا التحكم فيه.
أولاً: معنى الحكومة الوطنية
الحكومة الوطنية ليست شعارًا رومانسيًا أو تعبيرًا عاطفيًا، بل هي منظومة حكم تستمد شرعيتها من الشعب، وتُدار بالكفاءة لا بالولاء.
هي حكومة تضع الوطن والمواطن في قمة أولوياتها، لا الحزب ولا القبيلة ولا المنطقة.
وتقوم على ثلاث ركائز لا يمكن الفصل بينها:
1. الحرية: باعتبارها جوهر الكرامة الإنسانية، وحقًا لا يُمنح بل يُصان.
2. الديمقراطية: كنظام حكم يضمن المشاركة العادلة والرقابة الشعبية الحقيقية.
3. المواطنة: كأساس للحقوق والواجبات، بحيث يكون السوداني سواء كان من الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب متساويًا أمام الدولة والقانون
ثانيًا: أزمة الحكم في السودان
منذ الاستقلال عام 1956، ظل السودان أسيرًا لدائرة الحكم المتنازع عليه بين العسكر والأحزاب، وبين الجهويات والقبليات، وبين من يرى الوطن مزرعة خاصة ومن يراه وطنًا للجميع.
تبدلت الحكومات، وتعددت الانقلابات، لكن المأساة واحدة:
تقاسم السلطة بدلاً من بنائها.
لقد قُسّم السودان مرارًا باسم «التمثيل» و«المناطقية» و«التوازن الجهوي»، فصار منصب الوزير يُمنح كجائزة ترضية، لا كتكليف وطني.
وصار الانتماء القبلي أو السياسي أهم من الكفاءة والعطاء.
فما نتج عن ذلك إلا حكومات عاجزة، متنازعة داخليًا، بعيدة عن هم المواطن الذي لم ير من الدولة سوى الضرائب والوعود.
ثالثًا: ملامح الحكومة المثلى للسودان
1. حكومة مدنية خالصة
حكومة تُدار بالعقول المدنية المتخصصة، لا بالبزّات العسكرية ولا بالعقائد الحزبية.
الجيش يجب أن يعود إلى ثكناته، مهمته حماية الحدود لا المشاركة في الحكم.
أما الأحزاب، فدورها أن تطرح البرامج والرؤى لا أن تُقاسم المناصب.
2. حكومة كفاءات وطنية
المنصب العام يجب أن يُمنح على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، لا على أساس الولاء أو التبعية.
رئيس الوزراء، والوزراء، والولاة — جميعهم يجب أن يخضعوا لمعايير مهنية شفافة، وتقييم دوري من البرلمان والمجتمع المدني.
3. دستور دائم لا يتغير بالرغبات
يجب أن يُسنّ دستور وطني دائم، لا يعدل إلا بإجماع شعبي شامل — لا من خلال النخب أو القوى السياسية فحسب.
دستور يضع القانون فوق الجميع، ويجعل تغيير أي مادة أساسية مرهونًا بتوقيع كل المواطنين أو أغلبية ساحقة منهم، حمايةً من الاستبداد والانفراد بالسلطة.
4. رئاسة الدولة: تكليف لا تشريف
رئيس الدولة ليس زعيمًا أو «سيدًا»، بل موظف عام مسؤول أمام الشعب والقانون.
ولا يُختار بالجهة أو القبيلة، بل بقدرته على إدارة الوطن بعدالة، وصون مصالح الناس دون تمييز.
ومن واجبه أن يكون فوق الانتماءات، وأن يتحدث باسم السودان لا باسم فئة منه.
5. فصل السلطات واستقلال القضاء
لا يمكن لحكومة أن تكون عادلة ما لم يكن القضاء مستقلاً والإعلام حرًا.
فالقضاء هو الحارس الأول للدستور، والإعلام هو عين الشعب التي تراقب وتحاسب.
وكل سلطة تتجاوز حدودها يجب أن تُكبح بقوة القانون.
6. الأولوية للمواطن
الهدف الأول للحكومة هو رفاهية المواطن، بتوفير الأمن، الصحة، التعليم، والعمل الكريم.
فالسياسة ليست صراعًا على الكراسي، بل وسيلة لتنظيم حياة الناس وتحقيق العدالة الاجتماعية.
رابعًا: السودان وطن غني بموارده
يمتلك السودان كل مقومات النهضة:
ثروات زراعية ومعدنية هائلة،
موقع جغرافي يربط إفريقيا بالعالم العربي،
تنوع ثقافي يمكن أن يكون مصدر قوة لا سبب فرقة،
وشعب صبور، مبدع، ومحب للحياة.
لكن هذه النعم لن تُثمر إلا إذا أُديرت بعقلية الدولة لا الغنيمة، وبالروح الوطنية لا الولاءات الضيقة.
خامسًا: نحو عقد وطني جديد
إن بناء السودان الجديد يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا، يحدد العلاقة بين الدولة والمواطن، ويعيد تعريف مفهوم السلطة.
يجب أن نؤسس لدولة تُحاسِب ولا تُقدّس،
دولة تحترم الإنسان وتُعلي القانون،
وتمنع احتكار الحقيقة أو الوطن من أي جهة أو حزب أو عقيدة.
إن الثورة الحقيقية ليست في رفع الشعارات، بل في تغيير الوعي الجمعي:
من عقلية الغنيمة إلى عقلية الخدمة،
ومن الانتماء الضيق إلى الانتماء للوطن،
ومن الخضوع للأشخاص إلى احترام القانون.
سادسًا: الطريق إلى المستقبل
لتحقيق هذه الرؤية، لا بد من خطوات عملية:
1. مؤتمر وطني شامل يضم كل فئات المجتمع — لا السياسيين فقط — لوضع ميثاق وطني جامع.
2. إصلاح التعليم والإعلام ليصبحا أداتين لبناء الوعي لا لتغذية الانقسام.
3. إعادة بناء الخدمة المدنية على أسس مهنية صارمة، تُقصي الفساد وتكرّس العدالة.
4. تعزيز الإدارة المحلية بحيث تكون التنمية من القاعدة إلى القمة، لا من المكاتب العليا فقط.
5. إلغاء المحاصصة في التعيينات، وجعل الولاء للوطن هو معيار البقاء في المنصب.
خاتمة
السودان لا يحتاج إلى منقذ جديد، ولا إلى زعيم خارق.
يحتاج فقط إلى دولة عادلة، تحكمها المؤسسات والقانون، ويقودها الأصلح لا الأقرب.
فالوطن ليس قطعة أرض، بل كرامة إنسان يعيش فيها بحرية وأمان.
وما لم ندرك أن رئاسة الدولة وظيفة لخدمة الناس لا لتقديس الذات، سنظل ندور في نفس الدائرة المفرغة.
إن الحكومة المثلى للسودان هي التي ترى في كل مواطن مشروع بناء، لا مشروع تبعية؛
وترى في الدستور عقدًا مقدسًا لا يُغيَّر إلا بإرادة الشعب،
وترى في الحرية والعدالة والمساواة أعمدة لا تُهدم.
فإذا تحقق ذلك،
فلن يكون السودان مجرد وطن نعيش فيه،
بل وطن يعيش فينا.




