ثقافة

دور الكيزان في تدهور قطاعات الثقافة والفنون في السودان

مليح يعقوب

 

 مليح يعقوب

 المركز الإفريقي للديمقراطية والتنمية

لعب الفلول والكيزان دورًا بارزًا في تدهور قطاعات الثقافة والفنون والفكر والإبداع في السودان، وحققوا من وراء ذلك مكاسب ايدلولجية ضيقة و مآرب سياسية رخيصة و متعارضة كليّاً مع المصلحة الوطنيّة العامة. وقد اهتم الكيزان برعاية وتمويل الثقافات والفنون الخادمة لمشروعهم الحضاري المزعوم واهملوا الأخري ونجحوا في عرقلة عمليات تواصل الاجيال و سعوا الى محو ذاكرة الأمة السودانية وعذلها عن تاريخها القديم وفي سبيل تحقيق مبتغاهم المريض، انتهجوا عدداً مهولاً من السياسات الثقافية الكسيحة و المعيقة لنهضة الفنون . ومن أشهرها سياسات التهميش والإضطهاد الثقافي والعرقي واللغوي والديني و الفكري،كما بذلوا أعلى ما فى وسعهم لتحجيم الدور الرائد و الرسالي الذي كانت تلعبه قطاعات الثقافة و الفنون قبل إنقلابهم المشئوم على السلطة في العام 1989م والمتمثل في رفع الوعي وتحسين السلوك وترسيخ التواصل وتعزيز المشاركة المجتمعية والسياسيّة والثقافية و الفكرية والإقتصادية و تغيير إتجاهات الرأي العام وتعزيز التنمية و الديمقراطيّة و ترسيخ معاني الحريّة والوحدة والتسامح والمحبة والسلام . وتركوا المجال مفتوحاً لإنصاف المبدعين كي يتصدروا المشهد الفني ويسيئوا إلى سمعة الثقافة و الفنون بإنتاجهم المبتذل و الرث و الهش والركيك والذي قد ألقى بظلاله السالبة على المجتمع كما خدش الحياء العام وافسد اذواق الناس و اصبح نفر كبير منهم يستمعون للموسيقى و الأغاني والاناشيد والمدايح بأرجلهم ، ويعتقدون ان الفن بالنسبة لهم مجرد وسيلة للفرح و الترويح عن النفس أو وسيلة للهروب من الواقع المزري و المرير الذي يعيشونه، ضاربين عرض الحائط بالادوار السامية والنبيلة التي تلعبها في الفنون في إحداث التغيير الإنساني المنشود. وقد اشار الفنان الكبير أبو عركي البخيت إلى تلك النقطة بالتحديد عندما قالها بالفم المليان بان هنالك مشكلة كبيرة في الإصغاء الى محتويات الاشعار والموسيقي و الغناء من قبل الدولة والمجتمع مستدلاً ببعض الأغنيات الخالدة التي تغنى بها الرعيل الاول من المبدعين الذين رسموا بفنّهم الراقي والأصيل القوالب العامة للدولة ووضعوا خارطة طريق واضحة المعالم لبناء الدولة المجتمع ولو إتعظ بها السودانيون لما كنا قد وصلنا الى هذه المرحلة الحرجة من تاريخ السودان ولكن- لا حياة لمن تنادي وعندما هاجر الفنان عبد الكريم الكابلي الى امريكا رفض العودة مجددا الى حضن الوطن ولاسباب وجيهة يعلمها هو وحده ومن ضمنها ان السودانيون أصبحوا وفي واقعهم الاعم يستمعون بارجلهم بدلا عن آذانهم .وتلك واحدة من عيوب الفن الهابط المبتذل والرخيص والذي سمحت الحركة الاسلامية بتمريره لانه سيساعدها على نشر ثقافة العنف والتطرف والارهاب كبديل لثقافة المحبة والسلام كما يساعد المنتوج الفني الرث فى انتاج اجيال هشة مسلوبة الارادة و ومغّيبة من الواقع وعاجزة عن تجاوزه ويسهل برمجتها أو توظيفها في داخل منظومة الكيزان. وقد اشار المبدعون ومن خلال ونساتهم الخاصة في داخل مراكز الشباب والاندية الثقافية الى ان هنالك سهرات ازاعية و تلفزيونية كبيرة يشرف عليها جهاز الامن والمخابرات الكيزاني وبصورة خفيّة وغير معلنة وتهدف تلك البرامج إلى تدمير الفنانين الكبار وتغييب التراث الشعبي من المشهد الفني العام ومن ضمنها برنامج أغاني واغاني والذي قد تسبب في جلوس عدد كبير من رواد الفن السوداني على كنبات الاحتياطي. لقد عمل الكيزان على تقيّيد حرية الفكر والإبداع و مصادرة حرية الصحافة والمطبعوعات وتدمير المسرح القومي و سعوا لتقويض الصلاحيات التشريعية والتنفيذية المنوطة به موّسسات الدولة الثقافية المدنية والحكومبة اضف اليها الأجسام الاخرى العاملة في مجالات الثقافة والفنون، حيث لم تتمكن تلك المؤسّسات والاجسام من أداء واجباتها بالشكل المطلوب، ونذكر منها : وزارة الثقافة والإعلام، والهيئة القوميّة للإذاعة والتلفزيون، ومحكمة الملكية الفكرية، وشركات الإنتاج الفني والإعلامي، والمجلس الاتحادي للمصنفات الأدبية الفنية، ومراكز الشباب، والآندية الثقافيّة ومجلس المهن الموسيقية والمسرحية، ونقابة المسرحيين، و اتحاد الفنانين و الجمعيات والروابط واتحادات الكتاب والشعراء وما إلى ذلك. حيث عانت جميعها من إهمال الدولة، وشح الموارد وقلٌة التمويل، وضعف الميزانيات، وتدهور بيئة العمل، اختلال اللوائح والقوانين ، وغياب آليات التنفيذ والفشل في تطبيق القوانين الدولية المرتبطة بقطاعات بالثقافة والفنون . انطلاقاً من تلك الوضعية نلاحظ بانه لاتوجد معايير واضحة لاختيار الفنان في السودان كما نلاحظ أن الأجهزة الاعلامية والمرئية والمسموعة والمنتشرة في جميع ولايات السودان قد أصبحت تجيد المراوغة والتهرّب من دفع الحقوق في تحايل واضح وصريح على قوانين الملكيّة الفكرية التى تقوم بتنظيم العلاقة بين المبدعين والجهات المستفيدة من ابداعهم و اما بالنسبة للمبالغ المالية التي يتم دفعها لهم فهي مجحفة جدا و زهيدة ولا توازي حجم عطائهم الفني ويبدوا ان هذه الفقرة قد غفل عنها قضاة المحكمة الفكرية لاعتبار ان الاجحاف وحده كفيل بالغاء الاتفاق الفني المبرم بين المبدع والجهات المستفيدة ابداعه. وقد انتشرت في عهد الحركة الإسلامية الأغاني الهابطة والدكاكينية، كما اختلط الحابل بالنابل، وساد الهرج والمرج على الساحة الفنية، وصار كل من هبَّ ودبَّ يمتهن الثقافة والفنون، إلى الدرجة التي دفعت المواطنين إلى عدم القدرة على التمييز بين المبدع وغير المبدع، وبين المطرب والفنان والمغني والمنولوجست. كما نلاحظ بإنه هنالك اختلالات واضحة في لضوابط واللوائح المنظمة لمهنة الفنون مما شجّع بدوره على انتشار عدد مهول من الظواهر الفنيّة السالبة وانتشرت الاحقاد والضغاين و الغيرة والأنانية بين المبدعين، إلى الدرجة التي دفعت بعضهم إلى الاستعانة بالسحر والدجل والشعوذة كوسيلة لالحاق الضرر بالآخر أو اقصائه من المشهد الفني، كما ظل بعض الفنانون يتبادلون الشتائم والاسائات بينهم و بصورة مخجلة لا تليق بمكانة الفنون . وقد لعب الكيزان دورا بارزا في تغييب المسرح والدراما حيث سمحوا حيث قيدوا حرية المسرحيين ومنحوا الفرصة الكافية للنكات الهزلية والعنصرية من ان تجد حظها من النشر في الأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة على حساب المسرح والتمثيل والدراما، وقد فشل الكيزان في إدارة التنوع وقاموا بتضييق الخناق على التراث والفلكلور ،ولعبوا دورا بارزا في انقراض الكثير من الثقافات والعادات والتقاليد والفنون والرقصات وغيرها من الموروثات الشعبية القديمة التي كانت تساهم في المحافظة على الصور الحضارية للدولة السودانية. وقد صارت الثقافة والفنون والفكر والإبداع من أكبر ضحايا حكومة الإنقاذ، ومن أهم أركان الصراع في داخلها. وعندما استولى الكيزان على السلطة في العام 1989م، قاموا بمحاربة الفنون، وسعوا لإفراغ الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون من إرثها الفني المحفوظ في الأرشيف، كمحاولة يائسة منهم لمحو ذاكرة الأمة وقطعها من تاريخها الثقافي القديم، وانتهجوا سياسة القطيع كوسيلة للتبشير بمشروعهم الحضاري المزعوم، وظل إعلامهم المرئي والمسموع يطنطن في أذن الشعب بشكل يومي ومستمر بأغاني الحماس والجهاد والدفاع الشعبي؛ فمع كثرة التكرار حفظها الجمهور عن ظهر قلب، ثم استبدلوا الأغاني العاطفية والوطنية الخالدة بالأناشيد الدينية المعادية لأمريكا وروسيا وإسرائيل. لقد استغلت الحركة الإسلامية الدين كوسيلة لتذويب الخصوصيات الثقافية، وكزريعة لإلغاء الاختلافات العرقية. وقد تجاهل الكيزان المشتركات العامة الجامعة بين جميع الأديان السماوية .ومن وجهه نظرنا الخاصة نلاحظ ان الاديان و المعتقدات وبرغم تنوعها وتباينها وتقاطعاتها إلا اننا نعتبرها عنصر من عناصر الثقافة ومحدد من محدداتها، وقد دعمت في اغلبها الثقافة والفنون وجاهدت عنها بالغالي والنفيس، ثم ابعدت سالبها و انطلقت بجوهرها نحو المستقبل. فالاسلام مثلاً يقول: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) و (مَن شَاءَ مِنكُمْ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) و (اطْلُبُوا العِلْمَ مِنَ المَهْدِ إِلَى اللَّحْدِ) وهكذا. وقد اعتدى الكيزان على حقوق النساء ومنعوهن حتى من حرية اختيار الأزياء، وقاموا بتضييق على الصحافة والمطبوعات والسينما والمسرح والتراث والفلكلور والرسم والنحت والتشكيل، وتركوا فراغا كبيرا في الساحة الفنيّة يصعب سده على المدي القريب ويمكننا انقاذ ماتم انقاذه فى حال ان يراهن الجميع على الوعي الثقافي والفكري والسياسي والإجتماعي بوصفه يمثل أصعب مرحلة من مراحل التغيير الديمقراطي المنشود في السودان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!