
نجم الدين دريسة
تخيل أن دولة تُدار بالصلوات والتسابيح، وأن الوزراء يجتمعون ليس لوضع خطة وطنية، بل للتسبيح الجماعي تحت شعار: “حسبنا الله ونعم الوكيل”!
هذه هي بورتسودان اليوم، حيث يجلس كميل إدريس على مقعد رئاسة الوزراء، كأنه موظف في مكتب الغيب، لا في حكومة حديثة، يحكم بالدعاء ويتخذ القرارات بقبلة على يد شيخ طريقة صوفية.
كميل إدريس لا يحتاج إلى وزراء، ولا إلى مستشارين، فكل ما يفعله هو رفع بصره إلى السماء وانتظار “الإلهام التنفيذي”، ويتعامل مع السلطة كما يتعامل المتصوفة مع الخلوة: سكوت طويل، نظرات عميقة، وعبارات مبهمة تصلح لكل زمان ومكان.
حين يسأله الصحفي عن أزمة الكهرباء، يبتسم قائلاً: “النور بيد الله.”
وعن انهيار الاقتصاد؟ “الرزق مكتوب.”
أما عن السياسة الخارجية؟ “ننتظر التيسير من رب العالمين.”
إنه يحكم بالبركة لا بالقرارات، ويعيش في عالمٍ يرى فيه الدولة مجرد زاوية روحية تحتاج إلى رقية وذكر، لا إدارة وتخطيط.
أظرف مشاهده كان حين زار شيخ طريقة صوفية، فانحنى أمامه محاولاً تقبيل يده بوجل عجيب، كأنه يتسول “بركة الحكم” لا سلطة الدولة.
لكن ذروة الكوميديا السياسية كانت عند سقوط مدينة بارا، حين صعد المنصة ورفع يديه للسماء مرددًا:
“حسبنا الله ونعم الوكيل” ثلاث مرات، ليحوّل بيان الحكومة الرسمي إلى نشيد روحاني، ونص القرار السياسي إلى دعاء جماعي.
كميل اكتشف السر الأعظم للحكم في زمن العبث: لا تفعل شيئًا، صمتك عبادة، ودعاءك سياسة.
هو أول رئيس وزراء في العالم لا يُحاسب، لأنه ببساطة لا يفعل شيئًا يمكن محاسبته.
لا يخطئ، لا يصيب، لكنه حاضر دائمًا في الشاشة، مبتسمًا، ثابتًا، راضٍ، وكأن الدولة كلها في حراسة المسبحة.
حتى أعداؤه لم يعودوا يجدون ما يهاجمونه فيه، فهم يقولون: “كيف تهاجم من لا يفعل؟!”
كل تصريح له حدث ترفيهي، وكل قرار مؤجل حتى إشعارٍ من السماء.
الناس يتساءلون: هل سيقول اليوم “التيسير قادم” أم “الفرج قريب”؟ هل سيتحدث عن الأمن الغذائي أم عن “العيش المقسوم”؟ هل سيعلن عن إصلاحات أم عن “نفحات ربانية”؟
البلاد تنهار حوله، والناس يئنون، وهو ثابت كجبل الطمأنينة، يتصرف وكأن الدولة مجرد “زاوية للذكر” وليس كيانًا لإدارة حياة ملايين.
الحقيقة المرة أن وراء هذه الكوميديا مأساة وطن: المواطن يبحث عن دولة تنقذه، لا عن حكومة تتأمل وتسبح!
كميل إدريس ليس مجرد شخصية غريبة الأطوار، بل تجسيد لسلطة فقدت عقلها، واختارت الحكم بالنية الصافية لا بالخبرة أو المنطق.
ومع كل أزمة، يبقى صامدًا، مبتسمًا، يردد دعاءه وكأن الفشل هو “خير مخفي” والكارثة “ابتلاء يستحق الصبر”.
ختامًا، سلام على دولة تُدار بالتسبيح، وعلى رئيس وزراء يرى في كل أزمة فرصة للتسبيح، وعلى شعبٍ يتعلم أن البركة أحيانًا تغني عن التخطيط!
أما نحن، فلا علينا إلا أن نردد مع الرجل:
حسبنا الله ونعم الوكيل على كميل ومن ولاه!




