
نجم الدين دريسة
منذ أكثر من ثلاثة عقود، أصبح الجيش السوداني العقبة الكأداء التي أوصلت الشعب السوداني إلى هذا الدرك من الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني. فقد تحوّل الجيش من مؤسسة وطنية حامية للشعب إلى ذراع أيديولوجية، تخدم مصالح جماعة محددة، وتظل وفية لأجندة خارجية أكثر من وفائها للوطن، وعلى رأسها مصر، التي استغلت ارتباط الجيش الطويل لفرض سيطرتها على خيارات السودان الاستراتيجية والاقتصادية.
الجيش لم يعد يمثل الشعب، بل يمثل مشروع جماعة عقائدية وأيديولوجية، متآمرة داخلياً ضد المواطنين وخارجياً أداة لمصالح أجنبية. كما يقول المثل: “الذي يسيطر على السلاح يكتب التاريخ بدم الآخرين.” كل انقلاب وكل أزمة وكل حرب واجهها السودان كانت فرصة للجيش المختطف لتعزيز سلطة هذه الجماعات، لا لإعادة الدولة أو حماية المواطنين.
لقد فُقدت نزاهة المؤسسة العسكرية، وتحولت قيادتها إلى منصة لتبرير القتل والفساد باسم الوطن والدين، بينما كانت في الحقيقة تعمل لحماية مصالح الجماعات التي اختطفتها. فالواقع أن الشعب السوداني أصبح ضحية هذه المؤسسة المختطفة، التي اختارت الولاء للعقيدة على الولاء للوطن. “عندما يختطف الجيش عقيدة، يموت الوطن بصمت.”
كل خطاب عن «الدفاع عن السيادة» أو «الوطن» هو في جوهره تبرير لاستمرار هيمنة الجماعات على السلطة، واستمرار الإرهام لمصالح أجنبية، واستغلال الحرب كغطاء لحماية امتيازات شخصية وجماعية. وما يجعل الأزمة أعقد هو أن الجيش ظل مرتبطاً بعلاقات خارجية طويلة، خصوصاً مع مصر، التي لم تُخف يوماً طموحاتها التاريخية تجاه السودان، واستثمرت في بقاء الجيش على هذا الوضع لضمان مصالحها الاقتصادية والسياسية. الجيش المختطف صار بذلك حارساً لمصالح هذه الدولة، قبل أن يكون حارساً لمصالح الشعب السوداني.
إن الأزمة ليست مجرد صراع على السلطة أو نزاع مسلح، بل انعكاس لعقود من اختطاف الجيش وتحويله إلى جسم عقائدي، يجعل من أي إصلاح داخلي مجرد مسكن مؤقت. فالقيادات العسكرية التي تسيطر عليها الولاءات الأيديولوجية ترى أن أي تعديل في الوضع الراهن تهديد مباشر لمصالحها، فلا يمكن لأي حلول ترقيعية أن تُعيد للمؤسسة مكانتها الطبيعية. “السلطة بلا وطنية، مثل بندقية بلا ضابط؛ لا تعرف الطريق.”
الحل لا يكمن في الإصلاح الجزئي أو التغييرات الشكلية، بل في إعادة تأسيس الجيش بالكامل، مؤسسة مهنية مدنية، مستقلة عن أي أجندة حزبية أو دينية، بحيث يكون دوره حماية المواطن والدولة لا أداة لتصفية الحسابات أو خدمة مصالح خارجية. وكما يقول المثل: “لا يصلح ما أفسده الدهر إلا من يجرؤ على البداية من الصفر.” الجيش المختطف يحتاج إلى تأسيس جديد، وليس مجرد ترقيع شكلي.
إعادة تأسيس الجيش يجب أن ترافقها إصلاحات أوسع للدولة: مؤسسات رقابية قوية، تعليم جديد، استقلال القضاء، وتفعيل آليات محاسبة صارمة. حتى لو توقفت الحرب، فإن استمرار الجيش على وضعه الحالي يعني استمرار الاستغلال والاستبداد والفشل في حماية الشعب
السودان لن يرى فجره الحقيقي إلا عندما يتحرر الجيش من القيود التي فرضتها الجماعات العقائدية والأجندات الخارجية، ويعود ليكون حارساً للوطن والمواطنين، بعيداً عن كل ولاء غير وطني. تحرير السودان يبدأ من تحرير المؤسسة التي اختطفت القرار العسكري، واستعادة هيبتها الوطنية، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي.
إن الشعب السوداني يستحق قيادة صادقة، وجيشاً مهنيًا مستقلًا، ومؤسسات قوية تحمي حقوق المواطنين، لا أدوات قمعية لتصفية الحسابات. إعادة تأسيس الجيش هو حجر الزاوية لأي مشروع وطني حقيقي، وأي تأجيل لهذا الإصلاح يعني استمرار معاناة الأجيال القادمة.
باختصار، الجيش المختطف ليس مجرد أزمة مؤقتة، بل انعكاس لعقود من سوء الإدارة، الاختطاف العقائدي والسياسي، والارتهان لمصالح خارجية. تحرير السودان يبدأ من تحرير الجيش، وفقط حين يصبح الجيش حارساً للوطن لا أداة للجماعة، يمكن للشعب أن يحلم بدولة مستقرة ومستقبل حقيقي.




