
بروفيسور عبدالرحمن العمرابي
في خضم الحرب الممتدة في السودان تتكثف التحركات الإقليمية والدولية ضمن ما يُعرف بمسار “الرباعية” التي تضم كلاً من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، بدعم غير مباشر من أطراف دولية أخرى. هذا المسار الذي يُقدَّم كوساطة للسلام يتحرك في سرّية تامة لتجنّب الضغوط الإعلامية والسياسية سواء من الشارع السوداني أو من القوى المتصارعة، غير أن هذه السرّية أصبحت محل تساؤل حول من يمثّل السودانيين فعلاً في هذه المفاوضات، وهل ستُفضي إلى تسوية تُعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
أخطر ما في نهج الرباعية أنه حوّل المشهد السوداني إلى معادلة ثنائية بين قوات الدعم السريع وقوات الانقلابيين، متجاهلاً تعدد الأجسام المسلحة الأخرى التي تملأ الفضاء السوداني شمالاً وجنوباً. فالحركة الشعبية – شمال بفصائلها المختلفة، والقوات المشتركة، والكتائب المنتشرة داخل المدن والولايات، جميعها تملك قدرات عسكرية وتنظيمية لا يمكن تجاوزها في أي اتفاق جاد. هذه القوى ليست على قلب رجل واحد، وبعضها يعيش تداخلاً بين المصلحة السياسية والميدانية، مما يجعل عملية دمجها أو نزع سلاحها من أعقد تحديات أي اتفاق سلام قادم. وإذا اقتصرت المفاوضات على طرفين مسلحين فقط، فإن نتائجها ستشبه ما جرى في تجارب سابقة، حيث تحوّل الاتفاق من حلٍّ وطني شامل إلى صفقة بين أصحاب البندقية، فيما ظل المدنيون خارج دائرة القرار ينتظرون ما تقرّره البنادق عن مصيرهم.
القوى المدنية في السودان ليست ضعيفة ولا هامشية، لكنها مشتتة ومُستَغلّة أحياناً. فالأحزاب السياسية التقليدية غرقت في نزاعاتها التاريخية، والنقابات الجديدة ما زالت في طور الولادة، بينما تحوّل كثير من المبادرات المدنية إلى واجهات رمزية بلا تأثير فعلي. الشخصيات المستقلة التي يفترض أن تكون ضمير الشارع وموازناً للتيارات الحزبية تم تهميشها أو احتواؤها في لجان غير فاعلة، وغاب عنها الدور المرجعي الجماعي في اتخاذ القرار. العمل الهيكلي في معظم هذه الأجسام المدنية لا يزال تجميلياً؛ تُتخذ القرارات باسمها من قِبل أفراد دون مؤسسية أو مساءلة، وهذا الخلل البنيوي فتح الباب أمام الوسطاء لتقليص حجم التمثيل المدني بحجة غياب الهيكل والمرجعية الموحدة.
يعتمد مسار الرباعية على فرضية أن الحلّ الأقرب للتحقق هو ما يقبله الطرفان المسلحان باعتبارهما الفاعلين الواقعيين على الأرض، لكن هذه المعادلة قصيرة النظر. فقوات الانقلابيين التي تمارس سلطة الأمر الواقع لا تملك تفويضاً شعبياً، وقوات الدعم السريع التي تحاول تقديم نفسها كقوة إصلاحية تواجه تحدي إثبات التزامها الأخلاقي والسياسي في ظل وضع ميداني متقلب. التجارب السودانية السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي لا تحظى بتوافقٍ مدني شامل سرعان ما تنهار، فالمشكلة ليست فقط في بنود التسوية بل في من يملك شرعية تنفيذها وحمايتها. أي اتفاق لا يتضمن التزامات واضحة تجاه دمج الأجسام المسلحة وبناء مؤسسات مدنية قوية سيبقى هشّاً وعرضة للانهيار في أول اختبار.
الحل الحقيقي لا يكمن في إعادة تدوير المفاوضات بل في الالتزام بالمواثيق الوطنية التي أُقرت عبر توافقات سابقة مثل ميثاق “تأسيس” و“تقدم” و“صمود”، فهذه المواثيق تمثل روح التحول المدني وتعبر عن الحد الأدنى من الإجماع السياسي الممكن. تطبيقها على أرض الواقع هو ما يمنح الشرعية، لا التوقيع الرمزي أو البيانات الإعلامية. وإذا تجاوزت القوى السياسية والعسكرية هذه المواثيق أو تعاملت معها كأوراق شكلية فإنها تفقد شرعيتها وتعود بالسودان إلى دوامة التشظي والانقسام. المطلوب هو التوازن بين المواقف الأخلاقية والممارسة الديمقراطية، وخلق جسور ثقة متبادلة بين القوى المدنية والعسكرية على أساس احترام العهود والشفافية في التنفيذ.
يظلّ المدنيون بكل أطيافهم من الأحزاب والشخصيات المستقلة والنقابات والمهنيين الكتلة الأكبر التي لم تُمنح بعد مكانها المستحق في المشهد. تجاهلهم يعني ببساطة نزع الشرعية عن أي اتفاق وتأجيل الأزمة لا حلّها. لذلك يجب أن يتحول الحديث عن العودة إلى الحكم المدني من شعارٍ دبلوماسي إلى خطة واضحة تُعيد للمدنيين أدوارهم التنفيذية لا الرمزية فقط. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الوسطاء بقدر ما يحتاج إلى مؤسساتٍ مدنية قوية ونزيهة وهيكلية قادرة على حمل مشروع الدولة. وإن لم يتحقق هذا التوازن فإن كل ما يُقال عن التحول الديمقراطي لن يتجاوز الحبر على الورق، فيما تستمر البنادق في رسم خرائط السياسة.
الرباعية تمتلك النفوذ، لكن المدنيين يمتلكون الشرعية، وأي اتفاق لا يجمع بين النفوذ والشرعية سيبقى مؤقتاً وهشّاً ومفتوحاً على احتمالات الانفجار من جديد. السودان لن ينهض إلا حين تلتقي المواقف الأخلاقية بالممارسة الديمقراطية، وحين تُبنى الدولة على أساس المشاركة لا المغالبة، وعلى الالتزام لا المراوغة.
فهل سيكون دور المدنيين فاعل ومفعل ام رهينه بقرار الأطراف المسلحه تعطي ام تمنع في تخير لافراد تدفعهم الاراء والطموحات الشخصيه ام ستكون شفافه ومحوكمه ومؤسسيه




