حين تُختزل الحقيقة في نصفها: مسؤولية الجيش السوداني في حرب الخرطوم — قراءة في الانتهاكات وميزان العدالة

تقرير:التنوير
منذ اندلاع حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، سادت رواية مبسطة قسّمت الصراع إلى جيش يمثل “الدولة” وقوات دعم سريع تُصوَّر كقوة خارجة عن القانون. هذه السردية لاقت هوى لدى الإعلام الإقليمي، لكنها تجاهلت النصف الآخر من الحقيقة: وهو تورط الجيش السوداني نفسه في انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، بعضها يُصنَّف كجرائم حرب بموجب القانون الدولي. الهدف من هذا التقرير ليس تبرئة أحد، وإنما عرض الصورة الكاملة كما تكشفها الوثائق والشهادات.
القصف الجوي والمدفعي: نمط متكرر لاستهداف المناطق المأهولة
اعتمد الجيش منذ الأيام الأولى للحرب سياسة استخدام الطيران والمدفعية داخل أحياء مكتظة بالسكان في الخرطوم وأم درمان والجزيرة. تقارير منظمة العفو الدولية وثّقت مقتل مئات المدنيين نتيجة قصف أسواق ومناطق مأهولة، مثل سوق مايو وسوق تورة. استخدام الأسلحة الواسعة التأثير في مناطق حضرية لا يمكن تبريره باعتباره “أضرارًا جانبية”، بل هو انتهاك مباشر لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين. تكرار هذه الهجمات في المواقع نفسها وبالأسلوب نفسه يجعلها نهجًا لا حادثًا منفردًا.
ملف الكلور: الاتهامات الأخطر وصمت الدولة
تحقيقات بثّتها فرنسا 24 مدعومة بآراء خبراء مستقلين قدمت أدلة قوية على استخدام الجيش لغاز الكلور في هجمات شمال الخرطوم. الولايات المتحدة لاحقًا أعلنت امتلاكها أدلة كافية وفرضت عقوبات على ضباط كبار. ومع خطورة الاتهام، لم تتقدم الحكومة السودانية بطلب تحقيق إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي يزيد من ترجيح صحة الشبهات ويجعل الملف مفتوحًا أمام المساءلة الدولية.
الحصار كسلاح حرب: قطع الغذاء والمياه والدواء عن المدنيين
الجيش فرض حصارًا شديدًا على أحياء واسعة من الخرطوم والجزيرة، ومنع وصول الغذاء والمياه والدواء بحجة عزل قوات الدعم السريع.
لكن الحصار أصاب المدنيين مباشرة، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من ٦٠٪ من سكان الخرطوم المتبقين يعيشون تحت ظروف حرمان متعمد. القانون الدولي يجرّم التجويع كسلاح حرب، ويعده من أخطر الانتهاكات. ما حدث في الخرطوم والجزيرة يطابق هذا التعريف بلا لبس.
التدمير الواسع للبنية المدنية: المستشفيات والمدارس في قلب النار
تعرضت مستشفيات ومدارس ومساجد وكنائس للقصف المباشر وغير المباشر. مستشفى الشعب في الخرطوم ومجمع ود مدني الطبي كانا من أبرز المواقع التي استهدفت بعد اتهامها بإيواء “متمردين”. هذا الاستهداف لم يكن نتيجة وجود قوات داخل المنشآت، بل جزء من خطاب عام يعتبر كل مساحة خارجة عن السيطرة هدفًا محتملًا. التدمير طال حتى مواقع أثرية وثقافية، في اعتداء على ذاكرة السودان الوطنية.
الإعلام العربي المنحاز: صناعة صورة أحادية تُبرّئ الجيش
قنوات عربية كبرى تبنت الرواية الرسمية للجيش دون مساءلة. الجزيرة منحت منصاتها لمحللين مرتبطين بالحركة الإسلامية، بينما تجاهلت شهادات المدنيين في الخرطوم والفاشر ونيالا.
العربية بدورها أعادت إنتاج خطاب الجيش دون تحقيقات مستقلة. وفقًا لتقرير المركز الإفريقي للسلام، بلغت نسبة التغطية المنحازة لصالح الجيش في خمس قنوات عربية ٧٢٪. هذا الانحياز صنع رواية أحادية تلغي مسؤولية الجيش وتضع كل الانتهاكات على كاهل طرف واحد.
الفارق في الخطاب: من الدعوة للتحقيق إلى التفاخر بالقتل
قيادة قوات الدعم السريع أصدرت بيانات متكررة تدعو لتحقيق دولي شامل في الانتهاكات، وتعد بمحاسبة أي عنصر يعتدي على المدنيين.
في المقابل، انتشرت على وسائل التواصل مقاطع لضباط وجنود من الجيش يتفاخرون بقتل المدنيين ويصفون ذلك بأنه “جهاد”. هذا الخطاب يعكس جذورًا أيديولوجية متصلة بتاريخ الحركة الإسلامية التي أدارت الحروب في الجنوب ودارفور. الفرق بين خطاب يدعو للمحاسبة وخطاب يفاخر بالقتل ليس تفصيلًا لغويًا، بل يعكس جوهر مشروعين مختلفين تمامًا.
الميزان الغائب: العدالة لا تُبنى بنصف الحقيقة
قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات خطيرة وموثقة، لكن الجيش السوداني ليس أقل مسؤولية. التغاضي عن جرائم أحد الطرفين يعيد إنتاج دائرة الإفلات من العقاب التي أشعلت كل حروب السودان منذ الاستقلال. لا يمكن بناء سلام دائم إذا رُفع الجيش إلى مقام القداسة ووُضع الطرف الآخر في خانة الإدانة المطلقة. الحقيقة الكاملة تتطلب الاعتراف الشجاع بالانتهاكات كافة دون استثناء.
خطوة إلى الأمام: تحقيق دولي شامل لا يستثني أحدًا
الحل الواقعي يبدأ بآلية تحقيق دولية مستقلة تحت إشراف الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان. هذه الآلية يجب أن تحقق في جرائم جميع الأطراف دون استثناء. فالحرب لا تنتهي ببيانات عسكرية أو فرض واقع جديد في الخرائط، بل بالمحاسبة العادلة التي تمنع إعادة إنتاج العنف. دون مساءلة، سيظل السودان عالقًا في دائرة الدم، بين جيش يقتل باسم الوطن وحركات مسلحة تقاتل باسم الدفاع، بينما يضيع الوطن نفسه.


