رأي

جبر الخواطر… روحٌ تبني ما تهدمه الحروب وتصنع تماسك المجتمعات

سهيبة مريش

 

 سهيبة مريش

يشكّل جبر الخواطر إحدى أنبل القيم الإنسانية وأكثرها تأثيرًا في إعادة ترميم ما يتصدّع في نفوس الأفراد والمجتمعات، ولا سيما في البيئات التي أنهكتها الحروب والصدمات. فهذه القيمة الراقية ليست مجرد كلمات لطيفة تُقال لتعزية متألم، بل هي ممارسة اجتماعية راسخة تُعيد للإنسان شعوره بالأمان والانتماء، وتمنح المجتمع قدرة أكبر على الصمود والتعافي.

في الثقافات السودانية، يشغل جبر الخواطر مكانة خاصة؛ إذ يمثل لفتة إنسانية تُظهر عمق الاحترام والتقدير بين الناس، ووسيلة فعّالة لبناء جسور متينة من المودة والدعم. فهو يعكس استعدادًا فطريًا لدى أبناء السودان للوقوف مع بعضهم في الشدة، وتقاسم الألم، وتخفيف آثار الكلمات الجارحة والمواقف القاسية التي قد يمر بها الإنسان خلال رحلة حياته.

وتتضاعف أهمية هذه القيمة في مناطق الحروب والنزاعات، حيث تترك الصدامات آثارًا نفسية عميقة على الأفراد والجماعات. فالحرب لا تدمّر البنية المادية وحدها، بل تضرب الروح في عمقها، وتزرع الخوف وفقدان الثقة. وهنا يبرز جبر الخواطر كأداة قادرة على إعادة التوازن النفسي، والانتقال بالمتضررين من مرحلة الألم إلى بدايات التعافي. فالتعامل الراقي، وكلمة الدعم، والوقوف بجانب المنكوبين ليست أفعالًا عابرة، بل خطوات تساعد في إعادة بناء الإنسان من الداخل.

ويُعد جبر الخواطر من المرتكزات الأخلاقية والإنسانية في التراث الإسلامي؛ إذ يرتبط بمعاني المساندة ورفع الكرب وتخفيف أثر الصدمة. فهو دعوة صريحة لتقديم العون المعنوي والمادي لمن يحتاجه، وإحياء قيمة التعاطف الاجتماعي التي تُعد أساسًا لنهضة المجتمعات واستقرارها.

لقد قدّم الشعب السوداني عبر تاريخه الحديث والقديم نماذج مدهشة في هذا الباب؛ إذ أكّد في أوقات الشدة، سواء داخل البلاد أو خارجها، أنه شعبٌ ذو معدن أصيل، لا يتخلّى عن قيمه ولا عن بعضه مهما كانت الظروف. وما شهدته مدينة الفاشر مؤخرًا بعد التحرير خير دليل على ذلك. فبالرغم من الجراح العميقة والمآسي التي خلفتها الحرب، إلا أن أبناء السودان سارعوا إلى تضميد جراح بعضهم، وإعادة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها في المدينة.

اختفت تدريجيًا أصوات الكراهية والشعارات المحرّضة، وحلّ مكانها خطاب إنساني يعلي من شأن التعايش والمحبة وروح الجماعة. ظهرت عبارات تعكس التماسك بدلاً من الاستقطاب، وانتشرت ممارسات تعبر عن رغبة حقيقية في إعادة بناء الثقة بين الناس. لقد أثبت أهل الفاشر أن المجتمع السوداني قادر على تجاوز ندوب الحرب، حين يستعيد قيمه الأصيلة ويُحيي عاداته القائمة على الاحترام والمساندة.

وجبر الخواطر لا يقتصر أثره على الجانب العاطفي فحسب؛ فهو مؤشر مهم على التعافي النفسي والاجتماعي، ويُسهم في رفع إنتاجية الفرد وتحسين جودة حياته، لأنه يُعيد إليه الشعور بالكرامة والثقة. ومع اتساع دائرة هذه القيمة، تزداد قدرة المجتمع على مواجهة الصعاب، وترتفع روح التعاون بين أفراده، مما يخلق بيئة قوية وقادرة على النهوض مهما طال زمن الشدة.

وفي الختام، فإن تعزيز ثقافة جبر الخواطر يُعد ضرورة للمجتمعات التي تمر بأزمات طبيعية أو سياسية أو اجتماعية. فهو يعيد التوازن النفسي، ويقوّي نسيج المجتمع، ويُسهم في بناء واقع أكثر تماسكًا وصلابة. ومن هنا، تصبح الدعوة إلى إحياء هذه القيمة ليست مجرد نداء أخلاقي، بل رؤية عملية لبناء مجتمع قادر على الصمود والتعافي والمضي نحو مستقبل أفضل، بأقل تكلفة وبأعمق أثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!