التدخل المصري في الصراع السوداني.. حسابات خاطئة ومخاطر على الأمن القومي
اللواء ركن د.مهدي الامين كبة

اللواء ركن دكتور مهدي الأمين كُبّة آدم
كمبالا – نوفمبر 2025
منذ اندلاع الحرب في السودان، ظل الدور المصري يثير الكثير من الجدل والتساؤلات، لاسيما مع تزايد المؤشرات على انخراطٍ مباشر في مجريات الصراع، بدأ بالتدريب العسكري وتطور لاحقاً إلى أنشطة جوية في ولايتي سنار والنيل الأبيض.
هذا التدخل لا يمكن قراءته بمعزل عن الاتفاقيات الدفاعية القديمة التي جمعت الجيشين المصري والسوداني، والتي شملت التعاون في مجالات التدريب والدعم الجوي منذ حرب الجنوب، إلا أن السياق الحالي يختلف تماماً من حيث طبيعة الصراع وتعقيداته الداخلية والإقليمية.
المعطيات الراهنة، خاصة بعد خسارة القوات المسلحة السودانية مواقع استراتيجية كالعاصمة الخرطوم والجزيرة وأقاليم دارفور وأجزاء واسعة من كردفان، تشير إلى أن القاهرة أعادت حساباتها باتجاه دعم مباشر للجيش السوداني، سواء عبر التغطية الجوية أو التنسيق الاستخباراتي، وهو ما تؤكده مؤشرات عديدة، من بينها الخطاب الإعلامي المصري الرسمي، والتحركات العسكرية المتبادلة بعد تحرير الفاشر.
غير أن هذا الانخراط يحمل في طياته تكاليف استراتيجية باهظة على الأمن القومي المصري. فالتدخل يحرم مصر من موقعها كوسيط محايد داخل الرباعية الدولية، ويورطها في صراع مفتوح غير مضمون العواقب، خصوصاً في ظل امتلاك قوات الدعم السريع لقدرات ميدانية متطورة في الجو والمشاة. كما أن معظم الموارد التي ظلت مصر تستفيد منها تاريخياً — كالصمغ العربي والحبوب — تقع اليوم في مناطق تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، مما يجعل الرهان العسكري محفوفاً بالمخاطر الاقتصادية والسياسية.
إضافة إلى ذلك، فإن مصر تواجه تحدياً أكبر يتمثل في ملف سد النهضة وأمنها المائي، وهو ما يجعل أي تورط جديد في السودان عبئاً إضافياً على استقرارها الداخلي. كما أن إشعال الساحة السودانية بصراعات إقليمية بالوكالة سيزيد من هشاشة بيئة الأمن القومي المصري ويفتح الباب أمام تهديدات ممتدة من الجنوب.
الخيارات الأكثر حكمة لمصر تكمن في تبني دور دبلوماسي نشط يسهم في دفع الأطراف السودانية نحو الحل السياسي، وضمان مصالحها الحيوية عبر الحوار، لا عبر الانخراط العسكري. فالدبلوماسية المصرية، إن فُعّلت بذكاء، قادرة على تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأمد بأقل كلفة ممكنة، خاصة في ما يتعلق بأمن الحدود والمياه، واحتواء أزمة اللاجئين ومنع الانهيار الإنساني.
إن الزج بالجيش المصري في الصراع السوداني لن يجلب سوى مزيد من التعقيد والمخاطر على الأمن القومي المصري. الذكاء الاستراتيجي الحقيقي يكمن في الحياد الفاعل والدور الوسيط، لا في التورط المباشر. وعلى حكومة التأسيس وقوات الدعم السريع العمل دبلوماسياً لكشف أوجه التدخل المصري، وطرحها عبر المنابر الرسمية والدولية، لضمان أن يظل السودان ساحةً للحوار والسلام، لا ميداناً لتصفية الحسابات الإقليمية.




