
ما يحدث في السودان اليوم ليس حرباً بالمعنى المعروف، ولا صراع سياسي تقليدي، ما يحدث هو عملية استيلاء ممنهجة يقودها التيار الإسلاموي السياسي الذي أعاد إنتاج نفسه بشكل قبيح داخل المؤسسة العسكرية، وهو بذلك دفع البلاد إلى جحيم 15 أبريل بأقصى درجات العناد والتهور. ومنذ اللحظة الأولى، كان واضحاً أن الإخوان المسلمين وبدعم مباشر من شبكات التنظيم الإسلاموي العالمي لا يهدفون إلى إنقاذ الدولة المتهالكة، وانما إلى حرقها بالكامل إذا لم تخضع لمشروعهم!
حيث من المذهل أن هذه الجماعة، رغم كل الخراب الذي خلّفته، لا تزال تتعامل مع السودان كضيعة خاصة بهذا التنظيم، ومع القوات المسلحة كأداة طيّعة، ومع الشعب كوقود لمعركة أيديولوجية عابرة للعقل والتاريخ. فبعد تدمير المدن الكبرى وحرق القرى والفرقان، وانهيار الاقتصاد، وتضاعف أعداد النازحين، تواصل هذه المجموعة رفض أي تسوية سياسية للحل، وكأن وجود الدولة نفسها مجرد تفصيل ثانوي أمام بقائها في السلطة!
ورغم الهزائم المتولية التي مُنيت بها القوات التابعة لجيش البرهان أمام قوات الدعم السريع في عدة جبهات، يصرّ القرار المختطف داخل ما يسمى بالجيش على مواصلة الطريق نفسه، التراجع عن مباحثات جدة، ثم جنيف، ثم المنامة، ثم رفض الهدنة المقترحة من الآلية الرباعية بقيادة ممثل الولايات المتحدة المستشار مسعد بولس، وأخيراً التصعيد غير المبرر برفض لجنة تقصي الحقائق التي أقرها مجلس حقوق الإنسان للتحري في الانتهاكات والقصف العشوائي. هذه ليست مواقف دولة تبحث عن حل، بل هي مواقف تيار أيديولوجي يهرب على الدام من أي محاسبة!
لقد انكشف المستور، ان قيادة الجيش ليست صاحبة القرار، بقدر ماهي واجهة تتحرك وفق رغبات كتائب جهادية تقبع داخل الكابينه نفسها. لا أحد يستطيع، بعد الآن، الادعاء بأن جيش البرهان يستطيع التحرك بقرار مستقل. حيث ان الجماعة الإسلاموية وغرفها الاعلامية هي اللآعب الحقيقي، وهي الذي يحدد متى تبدأ المعارك ومتى ينهار أي اتفاق ومتى يُدفن أي مسار سياسي!
ان السؤال الذي لا يمكن للعالم أن يستمر في تجاهله مُطلقاً: هو إلى متى يسمح المجتمع الدولي لمجموعة أيديولوجية مُفسده أن تختطف ما تسميته جيش دولة ذات سيادة؟ هذه الجماعة الارهابية، التي حشدت حولها عناصر متطرفة وتحظى بتمويل ودعم سياسي من خمس دول معروفة من بينها دولة جارة تتحكم في ادارة السودان، الجماعة تتصرف وكأن السودان حقل تجارب لصراعاتها الفكرية. فهل ينتظر المجتمع الدولي انفجاراً جديداً يؤدي إلى تقسيم السودان مرة أخرى كما حدث للجنوب، أم يكتفي ببيانات الإدانة والتحذير بينما تسقط البلاد من جديد في هاوية لا قاع لها؟
وزيادة على ذلك، حدوث خروقات قانونية واسعه ظلت ترتكبتها القوات التابعة لجيش الاخوان بما فيها استخدام أسلحة مُحّرمة في مناطق مأهولة، وتشكّل هذه الانتهاكات وصمة في جبين كل من يدّعي أن هذه الحرب هي، حرب كرامة وطنية. فمتى سيواجه العالم هذه الحقيقة، ومتى يقرّ بأن ترك القيادة العسكرية بقبضة الإسلامويين هو السماح بانهيار القانون الدولي على رؤوس المدنيين في السودان؟
ان الإسلاميون الذين أشعلوا حرب 15 أبريل لا يملكون مشروعاً غير التصعيد العنيف. حيث انهم لن يتراجعوا ولن يتوقفوا، ولن يقبلوا بأي حل إلا إذا بقيت الدولة تحت قبضتهم امّد الدهر. ولذلك، فإن الحديث عن تسوية داخلية دون تحييد الجماعة الإسلاموية عن قيادة الجيش ليس سوى وهم سياسي كبير. وما لم يتحرك مجلس الأمن الدولي كما فعل في ليبيا ومناطق اخرى لحماية المدنيين ومنع تفكك الدولة، فإن السودان يسير بخطى ثابتة نحو كارثة جديدة لن يستفيد منها سوى تجار الأيديولوجيا!
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مجاملات دبلوماسية او مساومات، بل إلى موقف دولي حاسم يضع حداً لاحتجاز الدولة رهينة لدى أقلية مسلحة تتخفى خلف شعارات دينية بينما هي تمضي بكل تآمر في تدمير وطن بأكمله.




