حين يصبح الحياد انحيازًا: السردية المضلّلة التي تساوي بين من أشعل الحرب ومن واجه الإرهاب
إيمان التجاني

إيمان التجاني
الكلمة التي قدّمها الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء حكومة الثورة ورئيس تحالف تأسيس، أمام المجتمع المحلي والإقليمي والدولي، كانت واحدة من أكثر الخطابات اتزانًا وعمقًا في تفسير الأزمة السودانية ومسارات الحل الممكنة. غير أن ما استوقف الكثيرين هو محاولة بعض المنصّات—ومن بينها “صمود”—إضفاء مساواة أخلاقية وسياسية بين الطرفين المتحاربين: الجيش والدعم السريع. وهذه محاولة، مهما بدت في ظاهرها حيادية أو “متوازنة”، تحمل قدرًا كبيرًا من الخلط والخطل، لأنها تتجاوز جذور الأزمة، وتتعامى عن الحقيقة الجوهرية التي فجّرت الحرب.
فالجيش الذي يقاتل اليوم ليس مؤسسة قومية موحدة تعبّر عن الدولة السودانية كما عرفها الناس عبر تاريخهم، بل هو جيش مختطَف من قبل جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية التي ظلت تمسك بمفاصله منذ عقود، وتستخدمه كأداة لإعادة إنتاج مشروعها في الحكم، حتى لو كان الثمن هو إحراق السودان عن بكرة أبيه. هؤلاء هم الذين رفضوا كل مبادرات السلام، وهم الذين أشعلوا الحرب ثم واصلوا إذكاءها عبر تجييش المجتمعات، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، واستدعاء كل عناصر الإرهاب والدواعش وسماسرة الموت في المنطقة.
وعندما تُساوي “صمود” بين جيش مخطوف وبين قوات الدعم السريع، فإنها—بقصد أو دون قصد—تسحب من المشهد تلك الحقيقة المركزية: أن من بدأ النار هو من يتحمّل وزر احتراق البيوت، ومن يصرّ يوميًا على نفخ الجمر هو من يتحمل مسؤولية اتساع المأساة. أمّا الدعم السريع فقد وجدت نفسها أمام حرب فُرضت عليها فرضًا، وصارت تدافع عن وجودها بعد أن استهدفتها الحركة الإسلامية منذ اليوم الأول للحرب، لأنها انحازت بوضوح لقضايا الشعب، وساندت الانتفاضة المدنية، ووقفت ضد مشروع الردّة السياسية.
وعلى عكس ما تروّجه الآلة الإعلامية للفلول، ظلّت قوات الدعم السريع الطرف الأكثر انفتاحًا على مخارج الحل. شاركت في كل المنابر، ووقّعت مع “تقدم” اتفاق مبادئ، وقبلت بالوساطة الرباعية، وأبدت استعدادها للهدنة، ووافقت على لجان تقصّي الحقائق، بينما رفض الجيش—المختطَف—كل ذلك بلا استثناء، وواصل نهج التصعيد والإنكار والمزايدة.
السؤال إذن: أليس في الخطاب “المتوازن” الذي تقدّمه صمود ظلم بيّن لقوات الدعم السريع؟
والإجابة البسيطة: نعم، وبأكثر من وجه.
فصمود تتخوّف دائمًا من أن تُشيطَن أو تُوصم بالانحياز، ولذلك تنزع في خطابها إلى وضع الطرفين في قالب واحد. لكن الحياد لا يعني التساوي بين الضحية والجلاد، ولا بين من أشعل الحرب ومن حاول تجنيب البلاد مآلاتها، ولا بين من يستدعي الإرهاب ومن يواجهه، ولا بين من يأخذ قراراته بعقلية دولة ومن يتصرف بعقلية تنظيم سري.
ليس المطلوب من صمود أن تساند الدعم السريع، بل أن تسمّي الأشياء بأسمائها، وألا تُلغي خصائص كل طرف بحجة “التوازن الإعلامي”. فالتوازن الذي يساوي بين من يقوّض فرص السلام ومن يقبل بها، وبين من يرفض الوساطات ومن يتعامل معها، هو توازن مصطنع، يظلم الحقائق ويشوّه الوعي العام.
إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب صريح لا يختبئ في منطقة رمادية؛ خطاب يُعرّي دور الحركة الإسلامية في إشعال الحرب، ويضع المسؤولية حيث يجب أن تُوضع، ويعترف بواقع أن قوات الدعم السريع ليست طرفًا يسعى للحرب، بل طرفًا وجد نفسه في مواجهة آلة عنف منظّمة تريد إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء.
وفي النهاية، فإن الحماية الحقيقية للسودان لن تأتي من التردّد أو الخشية من الأصوات العالية التي يمولها الفلول، بل من الشجاعة في قول الحقيقة كاملة:
العدو الحقيقي هو مشروع الردّة والإرهاب، أمّا من يواجهه على الأرض فلا ينبغي أن يُساوى به تحت أي ذريعة.




