رأي

القاهرة وخراب السودان.. كيف تحوّلت الجارة إلى وصيٍّ ؟

علي سانتينو

بعد حرب 15 أبريل لايمكن أن يبقى الكلام عن الدور المصري في السودان مغلّفاً بالمجاملة الدبلوماسية أو الخجل السياسي. فدور القاهرة بالنسبة لقطاع واسع من السودانيين، لم يعد تدخل سياسي بقدر ما هو مشروعٌ عدواني مكتمل الأركان، مشروع هدفه إبقاء السودان دولةً محطمة، مرهونة، ومنزوعة الإرادة لصالح مصر التي تتصرف وكأن السودان ولاية تابعة، لا بلداً مستقلاً له شعب وتاريخ وكرامة!
فالقناعة التي تترسخ لدى السودانيون يوما بعد الآخر أنّ مصر لم تتردد في دعم الجيش الذي تقوده الحركة الاسلاموية، وأنها مستعدة لاستخدام كل أدواتها من السلاح والإعلام لإعادة إنتاج منظومة الحكم التي تخدم سيطرتها على موارد البلاد. وما يتردد عن مشاركة طائرات قادمة من مصر في قصف مناطق غرب السودان يعيد إلى الأذهان تاريخاً التدخل الدموي للطيران المصري في الجزيرة أبا مطلع السبعينا، وكأن القاهرة تقول للسودانيين سنختار لكم من يحكمكم لا انتم من تختارون. والأمر، كما نراه ليس جديداً. فالمؤسسة العسكرية في السودان التي أنشأت برعاية تامة من المُخابرات المصرية لم تكن يوماً مؤسسة وطنية خالصة، بل كانت الوسيلة التي تقُطع الطريق أمام كل مشروع ديمقراطي حاول أن يرى النور. ويكاد اهل السودان يجمعون اليوم على أن القاهرة كانت الحائط الذي ارتدت منه كل الثورات الشعبية، واليد التي تعيد العسكر إلى الحكم في كل مرة!
ولكن الأخطر من هذا كله، هو دور المخابرات المصرية في الهندسة الإجتماعية القذرة التي تستهدف بنية السودان نفسها. فإشعال خطاب الكراهية بين مكونات الشعوب السودانية، وتضخيم دور الأقلية الشمالية لخلق توازن سياسي وطبقة مهيمنة قابلة للتوجيه من الخارج، يشكل في نظر السودانيين أداة مصرية لإبقاء قرار الدولة السودانية رهينة، وتفتيت المجتمع بحيث يسهل التحكم فيه. وهذا ليس تدخلاً سياسياً فقط، بل تدخل في صميم الهوية الوطنية نفسها.
وعلى المستوى الاقتصادي تبدو الصورة لمن يراقب التحركات المصرية أكثر فجاجة. فالقاهرة، تريد سوداناً فاسداً مُنهكاً وممزقاً، تختلط فيه الفوضى، وتتحول موارده إلى رافد للاقتصاد المصري. الذهب، الماشية، والمحاصيل النقدية، كلها تُساق شمالاً عبر شبكات فساد لا يمكن أن تعمل لولا وجود غطاء سياسي وأمني منظم.
بعد حرب 15 أبريل تكشف ما وراء الحُجب والستائر. فالتقارير المؤكدة تتحدث عن دور مصري مباشر في تدمير المصانع والمخازن والبنية الإنتاجية في الخرطوم عبر إستغلال مظلة الدفاع الجوي السوداني. وبغضّ النظر عن تفاصيل كل ضربة، فإنّ النتيجة التي يراها السودانيون تظل واضحة، هو سودان بلا نظم اقتصادية، يعتمد لسنوات طويلة على الواردات المصرية. فالخراب لم يعد نتيجة حرب داخلية؛ بل أصبح استراتيجية مصرية واعية مخطط لها.
وفي المحصلة، قد تتشكل رؤية جارحة لدى كثير من السودانيين أن القاهرة لا تريد للسودان دولة، بل تابعاً ضعيفاً، محكوماً عبر وكلاء إسلامويين أو عسكريين يضمنون بقاء قبضتها على مصيره. لهذا يرون أن معركة السودان اليوم ليست فقط ضد الانقلاب أو الإسلامويين أو المليشيات، لكنه ضد نموذج إقليمي يريد خنق السودان ومصادرة مستقبله. حيث يبقى ناتج المعادلة في ان السودانيون يريدون وطناً ومصر تريد غنيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!