
أبو عبدالله الراشدي
“ليس الخطر في أن تُظلَم، بل في أن يعتاد الناس رؤية الظلم فلا يعودون يُنكرونه.”
تطرح القرارات الأوروبية الأخيرة المتعلقة بالشأن السوداني — وعلى رأسها فرض عقوبات على القائد الثاني لقوات الدعم السريع، الفريق عبدالرحيم دقلو — أسئلة عميقة حول طبيعة المقاربة الدولية للأزمة، ومدى التزامها بمعايير العدالة والإنصاف. فهذه الخطوة لم تأتِ نتاج عمل لجان تحقيق ميدانية مستقلة، ولم تُبنَ على مراجعة موضوعية للوقائع على الأرض، بقدر ما بدت انعكاسًا لضغط إعلامي وصخب رقمي أنتجت جزءًا كبيرًا من محتواه أدوات التزييف الحديثة.
منذ اندلاع الحرب، غرق المشهد السوداني في سيل من المواد المصطنعة والمقاطع المفبركة والصور التي أثبتت التحقيقات لاحقًا عدم صحتها. ومع ذلك، سُوّقت هذه المواد على أنها أدلة نهائية على وقائع وانتهاكات لم تُتحقق منها الجهات المختصة بعد. وجاءت القرارات الأوروبية وكأنها تستجيب لهذه الروايات رغم كل ما كشف عنها من تضليل وإعادة تدوير لمشاهد لا علاقة لها بوقائع المعارك أو بتسلسل الأحداث.
إن إصدار عقوبات بهذا المستوى — وخصوصًا تجاه شخصية محورية كالفريق عبدالرحيم دقلو — قبل وصول لجان تقصّي الحقائق المتعارف عليها دوليًا، يُضعف الثقة في نهج العدالة الدولية، ويُشعر الأطراف السودانية بأن المواقف تُبنى على انطباعات مسبقة لا على أدلة ملموسة. فالمؤسسات الدولية، حين تصدر أحكامًا قبل التحقيق، لا تفقد فقط حيادها؛ بل تُسهم أيضًا في تعقيد الأزمة وزيادة الشكوك في جدية المجتمع الدولي تجاه السلام.
وتبرز هنا مشكلة أكبر: مساواة طرفين مختلفين تمامًا في الأهداف والسلوك والمسؤوليات. فهناك طرف أكد مرارًا استعداده للحوار، وشارك في مسارات التفاوض، وسهّل عبور المساعدات الإنسانية، وفتح مناطقه للوكالات الدولية، وسعى إلى تخفيف آثار الحرب على المدنيين. وفي المقابل، هناك طرف آخر هو من أشعل شرارة الحرب، وعرقل المساعي السياسية، ومنع الإغاثة، واستدعى رموزًا مرتبطة بتاريخ طويل من القمع والصراعات.
إن وضع الطرفين في كفة واحدة قد يبدو مقبولًا سياسيًا من منظور خارجي، لكنه على المستوى الأخلاقي والإنساني ضرب من ضياع البوصلة. فالمعيار العادل لا يمكن أن يقيس من فتح الممرات الإنسانية بمنعها، ولا من يدعم إعادة الخدمات المدنية بمن يقصف مراكزها، ولا من يقبل التحقيقات بمن يرفضها.
وإذا كان معيار العقوبات هو عرقلة التسوية السياسية، فلابد أن يشمل كل من يعرقلها، لا طرفًا واحدًا. وإذا كان المعيار هو ارتباط جهات بعينها بمجموعات مؤدلجة أو متطرفة، فإن هذا يجب أن يُطبّق على الجميع دون استثناء. أمّا إذا كان المعيار هو الانتهاكات الإنسانية، فلا بد أن تُبنى الأحكام على التحقيق الميداني وحده، لا على سرديات الإعلام ولا على الصور مجهولة المصدر.
لقد أصبح السودانيون أكثر وعيًا بمخاطر هذا النوع من المواقف الدولية التي تُطلق أحكامًا من خارج المسرح، دون تفحّص حقيقي لظروف الحرب أو لطبيعة القوى الفاعلة فيها. وما يحتاجه السودان ليس مزيدًا من القرارات المتسرعة، بل دعمًا صادقًا لمسارات الحلول التي تستند إلى الواقع، وإلى جهود الأطراف التي أثبتت بوضوح استعدادها للمضي نحو السلام.
إن القرارات الأوروبية — بصيغتها الحالية — لا تضيف شيئًا إلى مسار إنهاء الحرب، بل تُعمّق شعورًا عامًا بأن المجتمع الدولي ينظر إلى السودان بمنظارٍ مجتزأ، يتجاهل تعقيدات المشهد ويختزل الحقائق في ما يصل إليه عبر تقارير مفبركة أو روايات ناقصة. وهذا النهج لا يخدم المدنيين، ولا يُسهم في استعادة الاستقرار، ولا يشجع الأطراف التي اتخذت خطوات إيجابية على الاستمرار فيها.
السودان بحاجة اليوم إلى رؤية عادلة، لا إلى أحكام مسبقة. بحاجة إلى توازن في المواقف، لا إلى انتقائية. بحاجة إلى شراكة دولية واعية تعترف بالجهود الحقيقية على الأرض، وتضع المسؤولية حيث تستحق أن توضع، بدلًا من توزيعها توزيعًا باردًا يخالف وقائع الحرب ويغفل جذورها.
وفي نهاية المطاف، فإن الشعوب لا تنتصر فقط بسلاحها، بل بقدرتها على التصدي للتضليل، والتمسك بالحقيقة، ورفض الانكسار أمام حملات التشويه. والسودانيون اليوم — رغم الجراح — أكثر تصميمًا على حماية مستقبلهم وروايتهم، وعلى أن يكون صوتهم هو المرجع الأول، لا ضجيج الخارج ولا حسابات القوى الكبرى.




