رأي

أوروبا تتصدر المشهد حراك دبلوماسي لإنقاذ السودان من دوامة الحرب

إيمان التجاني

 

إيمان التجاني

في لحظة فاصلة من تاريخ السودان، باتت المبادرات الدولية والإقليمية أكثر وضوحًا وحزمًا، لتفرض نفسها على مسار الحرب المدمرة التي أنهكت البلاد. الجولة الأوروبية الأخيرة، التي يقودها رئيس حركة/جيش تحرير السودان، لم تكن مجرد جولة دبلوماسية تقليدية، بل تحرك استراتيجي فريد يحاول قلب الموازين على الأرض، وتحويل الضغط الدولي إلى أداة فعلية لإنهاء النزاع وإعادة السودان إلى مسار السلام الشامل.

الواقع السوداني اليوم مأساوي بلا منازع: ملايين المدنيين مهجرون، المدن تتهاوى، الخدمات الأساسية شبه متوقفة، والجوع يزداد بشكل يومي. في هذا المشهد، يصبح التحرك السياسي الدولي ليس خيارًا، بل ضرورة حيوية لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع المدني. اللقاءات التي جرت مع المؤسسات الأوروبية ومراكز البحث والسياسة، وضعت النقاط على الحروف: لا حل بدون معالجة جذور الأزمة، ولا سلام بلا ضغط دولي فاعل.

تركزت المباحثات على محورين رئيسيين، يتقاطع فيهما البعد السياسي مع البعد الإنساني. الأول هو السلام الشامل: أي حل لا يعالج الأسباب العميقة للنزاع سيكون أشبه بمحاولة إسقاط النار على قاع برميل من البارود. الخراب لن يتوقف إلا إذا تم تبني حلول ترتكز على الديمقراطية المدنية، والمواطنة المتساوية، والعدالة والمحاسبة الحقيقية لكل الأطراف. أما المحور الثاني فهو الجانب الإنساني، حيث شددت الجولة على فتح الممرات الآمنة، وضمان وصول المساعدات لملايين المحتاجين في كل بقعة من السودان، بعيدًا عن أي قيود أو عوائق.

ما يميز هذه الجولة هو تحول المجتمع الدولي من متابع سلبي إلى فاعل ضاغط وفاعل مؤثر، قادر على تقديم المساندة وتشكيل القوة اللازمة لدفع الأطراف السودانية نحو التسوية الحقيقية. هذا التوجه الجديد يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الأزمة السودانية: فالتحدي ليس مجرد وقف إطلاق النار، بل إنشاء مشروع وطني متكامل يضمن الاستقرار، ويضع مصلحة الشعب فوق أي اعتبارات ضيقة.

الجولة الأوروبية تحمل رسالة واضحة لكل القوى الوطنية: التوحد حول مشروع جامع، لا التشرذم وراء المصالح الفئوية أو الحسابات الضيقة. السودان اليوم بحاجة إلى قيادة واعية، وإرادة سياسية حقيقية، وجهد منسق بين الداخل والخارج، كي يتحقق السلام على أسس متينة وملموسة. أي تحرك جزئي أو حل مؤقت سيكون مجرد إعادة تدوير للأزمة، ولن يوقف نزيف الحرب والمأساة الإنسانية.

ختامًا، الجولة الأوروبية لا تمثل مجرد زيارات أو اجتماعات، بل خطوة استراتيجية حقيقية لإعادة السودان إلى طريق الاستقرار، وتحويل الضغوط الدولية إلى قوة ضاغطة على الأرض. إنها دعوة لكل الأطراف الوطنية والإقليمية والدولية للتدخل بحزم، وتحويل الرؤية السياسية إلى واقع ملموس، قبل أن تفقد البلاد فرصتها الأخيرة للخروج من دوامة الحرب والخراب المستمر منذ سنوات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!