إسماعيل رحمة .. المحامي والمستشار القانوني

إسماعيل رحمة، محامي وخبير المحكمة الجنائية الدولية
“كل تنظيم يسعى لتقييد العدالة واستدامة نفوذه، يكون في حقيقة الأمر تهديدًا للدولة والشعب على حد سواء.”
في تسريب حديث لمسودة مطالب الحركة الإسلامية والمجلس الوطني، يتضح بشكل صريح أن هذه الجماعات تسعى إلى إعادة صياغة مؤسسات الدولة بما يخدم أجندتها الضيقة، مستغلة وساطات قطر وتركيا ومصر لإدخال بنود تخدم مصالحها السياسية والأمنية. هذه المطالب، التي تضمنت 12 بندًا رئيسيًا، تكشف عن خطة ممنهجة لتمكين السيطرة على الأجهزة الأمنية والعسكرية، وإعادة إنتاج نفوذ المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية بعد الإقصاء الذي طالها خلال الفترة الانتقالية.
أكثر البنود إثارة للقلق، وفق الخبراء، هي البندين 11 و12، حيث تشير الحركة الإسلامية صراحة إلى تفكيك القوات المساندة ودمج الحركات المسلحة في الأجهزة الأمنية، وإعادة صياغة اتفاق جوبا بما يتوافق مع أهدافها السياسية. هذه البنود لا تشكل مجرد رؤية سياسية، بل محاولة لتطويع الدولة لصالح تنظيم إرهابي يملك تاريخًا من العنف والانتهاكات ضد المدنيين، بما في ذلك جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة أمام المحاكم الدولية.
المواد الأخرى في المسودة تشير أيضًا إلى إلغاء أو تجميد إجراءات العدالة الانتقالية، وتعطيل عمل المحكمة الجنائية الدولية في السودان، وإعادة توظيف كوادر وأفراد مرتبطين بالحركة الإسلامية والمجلس الوطني في أجهزة الدولة المدنية والأمنية. هذه الخطوات، لو تحققت، لن تُعيد فقط شبكات النفوذ القديمة، بل ستعيق أي مسار حقيقي لإعادة بناء الدولة واستعادة الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
كما تسعى الحركة الإسلامية عبر هذه المطالب إلى تمديد فترة قيادة البرهان لمدة عشر سنوات انتقالية، ما يفتح المجال أمام هيمنة طويلة الأمد، ويضع الأمن والاستقرار الوطني تحت ضغط سياسات تتسم بالولاء الأيديولوجي وليس بالمسؤولية الوطنية.
من الناحية القانونية، هذه البنود تمثل تهديدًا واضحًا للمسار الانتقالي ولأطر العدالة الدولية، إذ تؤكد أن الحركة الإسلامية ليست مجرد حزب سياسي، بل منظمة تسعى لاستغلال الدولة كغطاء لتمكين نفسها، بما يرقى إلى وصفها تنظيمًا إرهابيًا وفق المعايير الدولية.
إن التسريب الأخير يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية عاجلة: إدانة أي محاولات لإعادة إنتاج شبكات الإرهاب داخل الدولة، ومواصلة دعم جهود العدالة الانتقالية، وإبقاء السودان على مسار بناء الدولة المدنية المستقرة بعيدًا عن سيطرة جماعات الإسلام السياسي.
إن تجاهل هذه المؤشرات لن يؤدي إلا إلى تكرار أخطاء الماضي، وتحويل السودان مرة أخرى إلى ساحة للصراعات الداخلية والخارجية، حيث تصبح الدولة أداة بيد تنظيمات إرهابية بدلاً من أن تكون حاضنة لمواطنيها وأمنهم.




