
إخلاص قرنق
باحثة اجتماعية وحقوقية
رئيس منبر صوت المرأة – جوبا
يشهد السودان واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ اندلاع الحرب، لحظة يتقاطع فيها صوت المجتمع الدولي مع صرخات المدنيين الذين أنهكتهم المعارك، واقتُلعت حياتهم من جذورها. وفي خضم هذا الانهيار، يتقدم سؤال واحد إلى واجهة المشهد: من يقف مع الشعب، ومن يقف ضده؟
ففي زمن تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الضرورات الإنسانية، يصبح الحق واضحًا كالنهار مهما حاول البعض تغليفه بالشعارات أو إخفاءه خلف دخان البنادق.
الولايات المتحدة… موقف يضع الإنسانية في المقام الأول
التحركات الأمريكية الأخيرة والتهديد الصريح بفرض عقوبات على الجماعات المتطرفة في السودان ليست مجرد ضغط دبلوماسي، بل رسالة ذات بُعد إنساني وأمني في آنٍ واحد. فالولايات المتحدة، ومعها شركاء دوليون، تبعث بإشارة واضحة:
العالم لن يقف متفرجًا أمام أي قوة تعرقل الهدنة أو تمنع وصول المساعدات أو تزيد من معاناة المدنيين.
إنه موقف يعيد تعريف أولويات التعامل مع الأزمة السودانية، ويؤكد أن الشرعية الأخلاقية اليوم تُبنى على احترام الإنسان، لا على السيطرة العسكرية.
حكومة بورتسودان… بين الامتحان والفرصة
في المقابل، تقف حكومة بورتسودان أمام امتحان حقيقي يتجاوز السياسة ويمس جوهر المسؤولية التاريخية. فالقبول بالهدنة الإنسانية ليس تنازلًا سياسيًا ولا اصطفافًا مع طرف على حساب آخر، بل هو موقف أخلاقي يضع حياة السودانيين فوق كل اعتبارات أخرى.
لقد أرسل المجتمع الدولي رسالة لا تحتمل التأويل:
الهدنة ليست مفاوضة… الهدنة واجب.
وكل يوم يتأخر تنفيذها يعني مزيدًا من الجوع والمرض والنزوح.
الدعم السريع… خطوة تحسب في ميزان التهدئة
وفي صورة نادرة وسط التصعيد، جاء قبول قوات الدعم السريع بالهدنة دون شروط مسبقة ليشكّل نقطة تحول في مسار الحرب. ورغم الجدل الواسع حول أدوار وممارسات هذه القوات خلال النزاع، فإن موافقتها الفورية على وقف العدائيات منحت المدنيين بارقة أمل، وأرسلت إشارة إيجابية للمجتمع الدولي.
وفي لحظة تُقاس بمعاناة الأطفال والنساء والمرضى، كل خطوة تخفف الألم تستحق التوقف عندها، بعيدًا عن الاصطفافات السياسية.
أولوية اللحظة: الإنسان قبل الرصاصة
إن الحق والباطل في هذه الحرب لا يُحددان بالبيانات ولا بالتصريحات، بل بميزان واحد: ميزان المعاناة الإنسانية.
فالطرف الذي يمد يده نحو السلام يقترب من الحق، والطرف الذي يصر على استمرار القتال يُثقل كاهله بمسؤولية الدمار.
السودان اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم:
إما طريق تتقدم فيه الحكمة،
أو طريق يغرق أكثر في الخراب.
ومع ذلك، يبقى الأمل ممكنًا…
ما دامت هناك قوى تضغط من أجل الهدوء،
وأطراف تمتلك الشجاعة لقبول السلام،
وعالم يرفض أن تُدفن إنسانية السودان تحت ركام الحرب.




