
أبو عبدالله الراشدي
كان السودان، لسنوات طويلة، بلدًا يبحث عن صوته فلا يجده. تتراكم الأزمات في الأطراف بينما ينصرف المركز إلى إنكار الواقع، حتى صار الوطن كله يعيش في مساحة بين الصمت والخذلان. لم تبدأ المأساة من لحظة واحدة، ولا انفجرت فجأة في حدث واحد؛ بل تراكمت كطبقات من الغبار فوق الوعي العام، حتى خنقت الحقيقة
الهامش، الذي لم يره المركز إلا من خلف حواجز الخوف، كان يصرخ منذ وقت مبكر. كانت الأرض تُنتزع من أهلها، والقرى تُحرق، والناس يُطردون من تاريخهم. ورغم ذلك، ظل الخطاب الرسمي يكلّس الحقيقة تحت مفردات مكرورة: “خلافات محلية”، “صراعات قبائل”، “مشكلات عارضة”. بينما كانت الخرائط تُعاد صياغتها بقوة السلاح وتحت غطاء الدولة.
كانت هناك دولة تُعاد صياغتها وفق عقل واحد، مشروع واحد، ورؤية تضع الناس في درجات. دولة تصنّف المواطنين بين مَن يستحق الحياة ومن يُترك للموت. وما بدأ في الأطراف لم يكن سوى مقدمة لنهج كامل: دولة ترى في التنوع تهديدًا، وفي الاختلاف جريمة، وفي الحقوق رفاهية لا ضرورة.
ومثل كل الحروب التي تبدأ في الهامش ولا تجد من يسمعها، تمددت النيران حتى وصلت إلى قلب الوطن. عندها فقط أدرك الجميع أن ما حدث هناك لم يكن صراعًا بعيدًا، بل جرس إنذار لوطن كامل. وأن الصمت الذي قُوبلت به المآسي في الأطراف لم يكن حيادًا، بل مشاركة غير معلنة في صناعة الكارثة.
وفي ذروة السقوط الأخلاقي للدولة، كان العنف يُستخدم كلغة رسمية. تُسحق القرى على أطراف السودان، ويُطارد الطلاب في جامعاته، ويُختزل الإنسان في هويته الجغرافية أو القبلية. صار الدم يُقاس بالمكان، والعدالة بالمسافة، والوطن بحجم الخضوع.
لكن هذا الظلام لم يخلُ من شرارة مضيئة. ففي اللحظة التي اختلط فيها اليأس بالغضب، خرج مشروع جديد من عمق الهامش. مشروع لا يطلب الاعتراف من المركز، بل يطالب بدولة جديدة تُبنى على قيم المواطنة والعدالة، لا على القوة والتمييز. مشروع يرى السودان وطنًا واحدًا له قانون واحد، وسلطة واحدة، وسلاح واحد.
هذا المشروع، الذي بدأ من الغرب ثم تمدد نحو بقية البلاد، لم يكن سعيًا للانقسام أو الهروب من الدولة، بل محاولة لإنقاذ ما تبقى منها. هو مواجهة مفتوحة مع إرث طويل من الاستبداد، ومع مؤسسات انتهكت فكرة الوطن نفسها. ومع كل تقدم يحرزه، تتراجع دولة التمييز خطوة إلى الخلف، وتتسع مساحة الأمل خطوة إلى الأمام.
إن ما يجري اليوم ليس حرب أقاليم، ولا صراع حدود، بل لحظة مفصلية تُعاد فيها كتابة تعريف السودان. الهامش يتقدم لا بصفته طرفًا، بل ممثلًا لوطن أُنهك. يتقدم لإعادة التوازن، لإيقاف النزيف، ولإحياء فكرة الدولة التي تحمي مواطنيها بدلًا من أن تحاربهم.
ولعل أعظم ما يقدمه هذا المشروع هو أنه يُعيد الاعتبار لفكرة السودان التي لم تولد بعد. السودان الذي يقوم على العدالة لا على الامتياز، وعلى الشراكة لا على الإقصاء، وعلى المساواة لا على التراتب. السودان الذي لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بقبيلته أو جهته، بل بإنسانيته.
لكن نجاح هذا الطريق ليس مضمونًا. فمعركة التأسيس ليست عسكرية فقط، بل أخلاقية وفكرية واجتماعية. وأكبر خطر يواجهها هو أن تتسرب العنصرية من تحت الأبواب، وأن يعاد إنتاج ما نحاربه بشكل آخر وبأسماء جديدة.
إذا استطعنا أن نقول بلا تردد إن كل تمييز هو عدو للمشروع، وإن كل عنصرية هي خيانة لروح التأسيس، فقد نمنح السودان فرصة نادرة ليعيد تشكيل هويته على أساس يشبه ناسه، لا جلاديه.
حينها فقط… يمكن للوطن الذي لم يُسمع صوته طويلًا أن يبدأ في الكلام من جديد.




