
إيمان التجاني
تشهد القوى المدنية في السودان أزمة عميقة تهدد قدرتها على لعب الدور الذي طالما انتظره الشعب، وهو تمثيل إرادته والدفاع عن مصالحه الوطنية. فقد تحولت هذه القوى، رغم امتلاكها برامج ورؤى ديمقراطية وثورية، إلى فضاء داخلي مغلق، حيث تهيمن عقلية الانفراد والاحتكار على صناعة القرار. هذه العقلية جعلت القواعد الشعبية بعيدًا عن دائرة التأثير، وأضاعت فرص التواصل الحقيقي مع المواطنين الذين من المفترض أن يكونوا شريكًا أساسيًا في صنع السياسات واتخاذ القرارات.
تظهر الأزمة بوضوح في طريقة إدارة القيادة للقرار داخل القوى المدنية. فقد أصبح الانغلاق على الذات، وحصر القرار في دائرة ضيقة، أسلوب العمل المتبع، مما أفقد القوى المدنية مرونتها وقدرتها على التكيف مع المتغيرات السياسية والاجتماعية. القيادات التي نتجت عن هذه العقلية لم تعد تمثل القواعد الشعبية ولا تحظى بقبولها، وهو ما أدى إلى ضعف شرعيتها في الداخل، ومهد الطريق لآخرين، من عسكريين أو جماعات مسلحة، لاستغلال الفراغ وفرض أجنداتهم الخاصة على البلاد.
الفشل في التنسيق بين المكونات المختلفة للقوى المدنية أثر أيضًا على قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. الانقسامات والصراعات الداخلية، الناتجة عن اختلاف الرؤى وتنازع النفوذ، جعلت أي جهود لتوحيد القوى المدنية ضعيفة ومجزأة، بحيث لم تعد هناك قدرة على استثمار التحالفات في صالح الشعب أو حماية الدولة من التدخلات الخارجية. كما أن الانغلاق على الذات والإقصاء المتعمد للأصوات المخالفة أسهما في إضعاف آليات الحوار الداخلي، وجعلت القوى المدنية غير قادرة على تطوير خطط جماعية فعالة.
أبرز انعكاسات هذا الوضع هي ضعف التواصل مع الشعب، وفقدان القدرة على تمثيل القواعد الشعبية، وتكرار الفشل في التنسيق بين المكونات، مما أدى إلى تراجع النفوذ السياسي، وانكشاف القوى المدنية أمام الجماهير على أنها بعيدة عن واقعهم وتطلعاتهم. وقد سمحت هذه البيئة الموصوفة بالانفراد بالقرار للآخرين، وأدى ذلك إلى تسارع الصراعات الداخلية، وانخراط بعض الأطراف في تبني أجندات خارجية أو مصالح ضيقة على حساب المصلحة الوطنية.
إن الخلاص من هذه الأزمة يتطلب إعادة النظر في عقلية العمل الداخلي للقوى المدنية، والانفتاح على المشاركة الشعبية الحقيقية، وتطوير قيادات قادرة على التواصل مع القواعد وتوحيد الصفوف، والابتعاد عن الانغلاق والإقصاء. القوى المدنية بحاجة إلى إصلاح هيكلي ومؤسسي يضمن أن تكون قراراتها وقرارات قياداتها انعكاسًا حقيقيًا لمصالح الشعب، لا لمصالح الدوائر الضيقة أو الأجندات الفردية.
إن مستقبل السودان يعتمد على قدرة القوى المدنية على استعادة دورها الشرعي، وتعزيز قدراتها التنظيمية والسياسية، لتصبح قادرة على تشكيل بيئة وطنية مستقرة، وتقديم نموذج حقيقي للمواطنة والديمقراطية، بعيدًا عن الانقسام والتفرد بالقرار. فقط حين تُعيد القوى المدنية وصلها بالجمهور، ستستعيد مصداقيتها وسيطرتها على المسار السياسي، وستتمكن من مواجهة أي تدخلات خارجية أو محاولات للاستحواذ على السلطة بالطرق الاستبدادية.




