رأي

العقل الرعوي وأزمة بناء الدولة الحديثة..قراءة في أطروحة الدكتور النور حمد

نجم الدين دريسة

 

 نجم الدين دريسة

يقدّم الدكتور النور حمد في كتابه العقل الرعوي واحدة من أكثر الأطروحات جرأة في تحليل أزمة الدولة السودانية، إذ يعيد عبرها اكتشاف الجذر العميق الذي ظل يقف خلف تعثر الحداثة السياسية وتهاوي مشروعات البناء الوطني منذ الاستقلال. فالمشكلة، كما يراها، ليست في الحكومات التي تعاقبت ولا في البرامج التي تعثّرت، بل في “العقل” الذي أنتج تلك الحكومات وصاغ تلك البرامج. عقلٌ تشكّل في بيئة رعوية ثم تمدد بصور شتى داخل المجتمع والدولة، حتى أصبح يشكل حدود التفكير السياسي ذاته.

ينطلق النور حمد من أن “العقل الرعوي” ليس وصفاً مهنياً للرعي أو للحياة البدوية، بل هو طريقة في النظر إلى العالم، منظومة قيم تقوم على الولاء الشخصي، ورفض المؤسسية، وتغليب منطق الغلبة على منطق القانون. هذه الذهنية، التي تشكلت في بنية اجتماعية ما قبل الدولة، تسربت إلى السياسة والإدارة وأصبحت تحكم آليات اتخاذ القرار. وكما تقول الحكمة: “من لا يملك زمام نفسه لن يملك زمام جماعته”، وهي عبارة تعكس بدقة مأزق النخبة السودانية التي لم تتمكن من السيطرة على إرثها الذهني القديم وهي تتقدم نحو مشروع الدولة الحديثة.

لقد فشلت الدولة السودانية منذ الاستقلال في تأسيس جهاز إداري مهني مستقل، لأن العقل الرعوي ظل يميل إلى تسييس الخدمة المدنية وتحويلها إلى امتداد للعشيرة أو الجهة أو الحزب. فالمناصب تُمنح لا وفق الكفاءة بل وفق الولاءات، والموارد توزّع بحسب الحلفاء لا بحسب الخطط، والسلطة تُمارس باعتبارها غنيمة لا باعتبارها مسؤولية. هذا الشكل من الحكم الشخصي جعل الدولة تبدو من الخارج ذات هياكل، لكنها من الداخل تُدار بعقلية “الشيخ” لا بعقلية المؤسسة. وهنا تبدو مقولة سياسية حكيمة كأنها كتبت عن السودان: “الدولة التي يقودها شخص أقوى من مؤسساتها لا يتجاوز عمرها عمره”.

وفي قراءة النور حمد، فإن أزمة الهوية في السودان ليست مجرد صراع ثقافي، بل هي نتاج مباشر لهيمنة العقل الرعوي الذي يقدّم الهويات الصغرى — القبيلة والجهة والعشيرة — على الهوية الوطنية الجامعة. هذا العقل لا يستطيع تصور الدولة كمجتمع سياسي موحد، بل يراها ساحة تنافس بين العصبيات. وعندما تضيق الأفق الوطنية، تتوسع القبيلة وتنتفخ الجهة، وتستمد قيمتها ليس من مشروع وطني جامع، بل من صراع النفوذ. وكما تقول حكمة أخرى: “حين تضيق العقول تتسع العصبيات”، وهو ما يفسر هشاشة الهوية السودانية وتفككها عند أول اختبار سياسي أو أمني.

ولا يتوقف أثر العقل الرعوي عند السياسة والهوية، بل يمتد إلى الاقتصاد. فاقتصاد السودان، رغم غنى موارده، ظل رهينة ذهنية لا تؤمن بالتخطيط ولا ترى جدوى في الاستثمار طويل الأمد. النمط الرعوي في التفكير يتصادم مع متطلبات الاقتصاد الحديث، الذي يقوم على التراكم، والبنى التحتية، والرؤية الاستراتيجية. ولعل التذبذب المستمر في السياسات الاقتصادية  من التأميم إلى التحرير ثم الانكماش  ما هو إلا انعكاس لغياب عقل الدولة واستمرار عقل الفزع والردّ والارتجال.

وتتجلى أزمة العقل الرعوي بأكثر صورها خطورة في ملف الحروب الأهلية. فالسلاح خارج الدولة ليس ظاهرة طارئة، بل هو امتداد طبيعي لثقافة تعتبر القوة معياراً للحضور والهيبة. فمجتمع تحكمه قيم الرعي يتعامل مع النزاع بمنطق الغلبة، ومع الخصم باعتباره خصماً وجودياً، ومع التفاوض باعتباره ضعفاً. وهذا ما جعل اتفاقيات السلام تتساقط الواحدة تلو الأخرى لأنها خاطبت السلوك ولم تخاطب الذهن. وهنا تحضر حكمة ثالثة بعمقها السياسي: “السلام يصنعه العقل، أما الهدنة فيصنعها الخوف”، وهي عبارة تفسر سبب هشاشة كل عمليات السلام في السودان.

ويرى النور حمد أن النخب السودانية — رغم تعليمها وانخراطها في الحداثة — لم تنجز القطيعة الفكرية المطلوبة مع العقل الرعوي. فقد أعادت إنتاجه بوسائل جديدة، عبر المحاصصات والتعبئة الجهوية وصناعة الزعامات الشخصية. وبذلك انتقلت الرعوية من البادية إلى قلب الخرطوم، ومن الخيمة إلى الوزارة، ومن العشيرة إلى الحزب. وتحولت المؤسسات إلى جزر متنازعة، كل مجموعة تسعى لتأمين نفوذها لا لخدمة المصلحة العامة.

الحل كما يستنتج القارئ من أطروحة النور حمد  يبدأ من “تغيير الذهنية” قبل تغيير البنى. فالديمقراطية لا تستقر في بيئة يحكمها منطق الفزع، والتنمية لا تصح في عقل لا يعرف قيمة الزمن، والسلام لا يترسخ في مجتمع يرى السلاح امتداداً طبيعياً للسلطة. ولهذا فإن التعليم، والإعلام، وبناء المؤسسات المهنية، وترسيخ سيادة القانون، هي أدوات التحول الحقيقي، لا مجرد تغيير الحكومات أو الدساتير. وكما تقول الحكمة الرابعة: “قد تبني ألف مدرسة وجسراً، لكن الدولة لا تُبنى إلا حين يتغير العقل أولاً”.

إن قراءة كتاب العقل الرعوي تكشف أن أزمة السودان ليست مجرد أزمة حكومة أو موارد أو نخبة، بل أزمة في العقل الذي يدير تلك الموارد ويصنع تلك النخب. وهي أزمة ممتدة في عمق التاريخ، تعيد إنتاج نفسها في كل مرحلة سياسية، وتطل برأسها عند كل منعطف وطني. ومع ذلك، فإن تشخيص المرض بدقة هو الخطوة الأولى نحو العلاج. وما يقدمه النور حمد ليس حكماً قيمياً على المجتمع، بل محاولة جادة لفتح الباب أمام نقاش جديد حول ضرورة الانتقال من عقل الغلبة إلى عقل الدولة، ومن الذهنية الرعوية إلى الذهنية المؤسسية.

لقد آن للسودانيين  شعباً ونخباً أن يواجهوا هذا السؤال المؤجل: هل يمكن بناء دولة حديثة بعقل قديم؟ وإذا كانت الإجابة لا، فكيف نؤسس لوعي جديد يليق ببلد متعدد، غني، كريم، لكنه أعجزته الذهنية قبل أن تعجزه الظروف؟ هذا السؤال، في جوهره، ليس سؤال النور حمد وحده، بل سؤال مستقبل السودان نفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!