
سمية النور دهب
في السودان، تبدو المفاجآت السياسية أكثر من توقعات المواطن العادي، لكن ما حدث مؤخراً مع كبار قيادات المؤتمر الوطني المنحل يفوق كل حدود الخيال. فجأة، ومع سيل من الإنكار غير المسبوق، اكتشف هؤلاء أن لهم “لا صلة بالحركة الإسلامية”، وكأن سنوات من الوثائق والصور والتسجيلات لم تكن موجودة أصلاً.
حين تُسأل أحدهم عن العلاقة بين المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، يجيب بكل برود وثقة: “نحن؟ والله الجماعة دي ما بنعرفهم! يمكن تشابه أسماء!”. عبارة قد تضحك لو لم تكن محزنة، فالشهادات والمذكرات والتسجيلات صوتاً وصورة، وحتى تصريحات الطاغية السابق عمر البشير نفسه، تؤكد العكس تماماً. فقد صرّح البشير مراراً أن المؤتمر الوطني هو الذراع السياسي للحركة الإسلامية، بل وتحدث عنها بحزم، مؤكداً صلة واضحة بين الطرفين. حتى المتطرف علي كرتي لم يقصر، إذ يبدو صوته في التسجيلات أوضح من أذان الفجر في رمضان، يثبت للعيان تلك العلاقة التاريخية التي يحاول المؤتمر الوطني الآن طمسها.
المأساة ليست في الإنكار ذاته، بل في توقيته. فقد جاء بعد أن أصبحت الحركة الإسلامية منبوذة دولياً، مصنفة كحركة إرهابية في عيون العالم الحر. اليوم ينكرون علاقتهم بالحركة الإسلامية، وغداً قد ينكرون ارتباطهم بالمؤتمر الوطني نفسه، وبعده ينكرون أي صلة بالحكومة الانتقالية، وربما حتى بالإسلام ذاته.
هذا النمط من الإنكار يعكس حالة حربائية سياسية، لا تعترف بالثوابت ولا بالتاريخ، تتحرك حسب مصالحها فقط. وكما يقول المثل السوداني: “الشينة منكورة”، وهذا ينطبق عليهم تماماً. إنهم يلبسون كل مرة “لبوساً” جديداً وفق الموقف، بلا أي اعتبار للحقائق أو للذاكرة الوطنية.
الشعب السوداني، من جانبه، صار يعرفهم جيداً، فهو شاهد على ثلاثين سنة من الممارسات السياسية التي كانت العلاقة فيها بالسودان أشبه بعلاقة السرطان بالصحة أو السوس بالخشب. أي أن المؤتمر الوطني لم يخدم الوطن أو المواطنين يوماً، بل كان ينهب، ويتحكم، ويتآمر.
في نهاية المطاف، يبدو أن السؤال الأهم الذي بقي بلا إجابة من هؤلاء القيادات هو: من أنتم؟ والإجابة الواقعية ربما تكون: كائنات سياسية مجهولة الهوية، تدور في فلك مصالحها فقط، والشعب السوداني عرفهم كما هم، بما فيه الكفاية.
إن إنكار المؤتمر الوطني لعلاقته بالحركة الإسلامية ليس مجرد موقف سياسي، بل مهزلة كبرى تكشف حجم الانفصال بين خطابهم وواقع تاريخهم، وتضع الشعب أمام حقيقة واضحة: أن الحقيقة لا يمكن محوها بالإنكار، وأن الذاكرة الوطنية أقوى من كل محاولات الطمس.




