رأي

مقال الخميس …ماذا فعلوا.. بالمعلمين؟!

د.عمر القراي

مقال الخميس …ماذا فعلوا.. بالمعلمين؟!

 

(وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ، وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ، وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ)

صدق الله العظيم

د. عمر القراي

لقد تضررت كل فئات الشعب، من جراء الحرب التي فرضها الإخوان المسلمون ليعودوا إلى السلطة التي نزعها الشعب منهم في ثورة ديسمبر المجيدة. فعانى السودانيون الموت، والجوع، والجروح، والاختفاء القسري، والتشرّد، والنزوح، واللجوء، والهجرة القسرية، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمحاكمات العشوائية الجائرة، بالإضافة إلى ضياع الممتلكات وتهدم المنازل، وشتى صنوف النهب والسلب، ومختلف الاعتداءات، وانتشار الأمراض الغريبة.

ولكننا نريد هنا أن نركز على ما لحق بفئة المعلمين على وجه الخصوص، لأن التعليم هو الذي ينهض بالأمم ويبني مستقبلها. ولأن المعلم أحد أضلاع العملية التربوية الثلاثة: الطالب والمعلم والمادة. وكل دولة لا تهتم بالتعليم، ولا تضعه في قائمة أولوياتها، ومن ثم لا تكرم المعلم وتحفظ حقوقه، ليست دولة فاشلة فحسب، وإنما هي دولة مجرمة، تضحي بأجيال المستقبل حرصاً على المنافع الشخصية الآنية الزائلة.

وضعت لجنة المعلمين السودانيين دراسة لتكلفة المعيشة لأسرة مكوّنة من خمسة أفراد في أغسطس 2025م، وحوت التكاليف: الإيجار، والماء والكهرباء، والغاز، وتكلفة الفطور والغداء، والحليب والسكر والشاي، والمواصلات، والعلاج، والملابس، حسب الحد الأدنى للأسعار في شهر أغسطس. ولم تشمل التكاليف الاتصالات، والفواكه، والمساهمات، والمجاملات الاجتماعية. واعتبرت الدراسة أن الأبناء يدرسون مجاناً في مدارس حكومية، ولم تُدرج المبالغ التي يدفعونها كمساهمات في تسيير المدرسة. ومع ذلك كانت تكلفة الأسرة في الشهر مليوناً وستمائة واثنين وخمسين ألف جنيه (1,652,000).

ثم إن لجنة المعلمين نشرت جدول المرتبات الشهرية للقطاعات العليا: القطاع الأول والثاني والثالث، الذي يشمل الوزير ووزير الدولة والوكيل، نزولاً إلى كل الدرجات من الدرجة الأولى (درجة رؤساء الأقسام) إلى الدرجة السابعة عشرة، وهي درجة الفراش أو عاملة النظافة أو الساعي. وقد أوضح الجدول المرتب الأساس لكل درجة بالجنيه السوداني، وما يعادله بالدولار عام 2022م، وما يعادله بالدولار عام 2025م. ومن تلك النتائج نرى أن مرتب المعلم أو الموظف في الوزارة في الدرجة الأولى يبلغ 69,132 جنيهاً سودانياً، كانت تعادل في عام 2022م مبلغ 155 دولاراً. ونفس هذا المرتب أصبح في عام 2025م يساوي 22 دولاراً.

الموظف في الدرجة التاسعة، بداية تعيين الخريجين، كان مرتبه عام 2022م (28,802) جنيهاً سودانياً، ويساوي 65 دولاراً. ونفس هذا المرتب أصبح عام 2025م يساوي 9 دولارات فقط. أما العامل في الدرجة السابعة عشرة ـ وهو الفراش أو عاملة النظافة أو الساعي ـ فمرتبه يساوي 12,000 جنيه سوداني، كانت تعادل 27 دولاراً عام 2022م، ولكنها في عام 2025م أصبحت تعادل 4 دولارات فقط.

هذا العامل أو العاملة مطلوب منه أن يصل الوزارة أو المدرسة قبل الآخرين، وهو سوف يركب المواصلات، ولا بد أن يفطر. فكيف سيحقق ذلك بمبلغ 4 دولارات في الشهر؟!

وإذا أخذنا نموذج معلم اشتغل بالتدريس حتى وصل الدرجة الخامسة ـ وهي درجة متوسطة قد يحتاج إلى العمل لأكثر من 15 عاماً قبل أن يصل إليها ـ فإن راتبه يساوي (44,622) جنيهاً سودانياً، كانت تعادل 98 دولاراً عام 2022م، لكنها أصبحت تعادل 14 دولاراً عام 2025م. فإذا كانت الأسرة تحتاج في الشهر إلى مليون و600 ألف جنيه كما أظهرت دراسة تكلفة المعيشة، فكم يوماً يصمد مرتب هذا المعلم الذي يبلغ حوالي 45 ألف جنيه؟!

وقد يقول قائل إن ظروف الحرب لا تمكن الحكومة من تحسين مرتبات المعلمين. وكان يمكن لمثل هذا القول أن يكون مقبولاً، لولا أن حكومة البرهان صدّرت أطناناً من الذهب أثناء الحرب. فإذا كانت مستلزمات الحرب تستهلك كل الموارد، فلماذا تصر حكومة البرهان على الحرب؟! ولماذا، أثناء كل هذا الشقاء، يصنع البرهان لنفسه صنماً يكلف 300 ألف دولار؟! ولماذا بُني ما سمي “قصر الشرق” في بورتسودان بملايين الدولارات، وكان من الممكن أن يجلس في مكتب عادي في مرافق حكومة البحر الأحمر القديمة؟! ولماذا، عندما يزور وزير التعدين أي مكان، تصحبه أكثر من عشر عربات لاندكروزر جديدة؟!

فإذا عدنا لمأساة المعلمين نرى أن الحكومة قد أوقفت هذه المرتبات ـ على ضعفها ـ منذ يوم 15 أبريل 2023م. ولم تبدأ في صرفها إلا في نهاية عام 2024م، ولم تُرجعها كلها، وإنما بصورة متقطعة، وللمعلمين الذين في مناطق سيطرة الجيش. ثم إنها أرجعتها بدون علاوات وبدون بدلات، ولم تصرف للمعلمين المتأخرات التي بلغت 14 شهراً.

وحين فتحت ولاية الخرطوم المدارس في عام 2025م، أعلنت أن المعلمين الذين لن يحضروا يعتبرون غائبين، وبعد فترة يتم فصلهم من الخدمة. والمعلمون، كغيرهم، هاجروا خارج السودان، أو نزحوا إلى مناطق بعيدة داخله، ولا يستطيعون العودة. كما أن كثيراً منهم يعلمون أن الخرطوم أصبحت ـ بعد استعمال السلاح الكيميائي ـ غير صالحة للسكن، وبها أمراض عديدة، وتفتقر إلى متطلبات الحياة الأساسية من ماء وكهرباء. كما أن سلطات الولاية تعرف أنه لو حضر المعلمون لما وُجد لهم عمل، لأن التلاميذ نزحوا مع أهلهم، والمدارس لن يكون فيها عدد من الطلاب يناسب أعداد المعلمين إذا رجعوا جميعهم.

لكل ذلك طرحت إدارة التعليم للمعلمين فرصة أن يطلبوا إجازة بدون مرتب إذا كانوا لا يستطيعون الحضور. وفعلاً كثير من المعلمين طلبوا إجازة بدون مرتب، مما أراح محلية الخرطوم من عبء المرتبات والمتأخرات. كما أنها رفضت طلبات المعلمين الذين تعتبرهم مخالفين في توجههم السياسي للإخوان المسلمين، وقامت بفصلهم تعسفياً.

ولأن الإخوان المسلمين لا يعيشون بدون فساد، فقد جعلوا رسوماً لطلب الإجازة بدون مرتب!! مع أنها كانت دائماً خدمة مجانية، لأن المقدم لا دخل له. وحتى لا يكون هناك دليل على تحصيل المبالغ، طُلب من المعلمين أن يوردوها عن طريق خدمة “بنكك” لحساب أحد ممثليهم. وقد بدأت هذه الرسوم ـ حسب بيان لجنة المعلمين ـ بثلاثة آلاف جنيه، لكنها زادت مع زيادة عدد المتقدمين حتى بلغت عشرة آلاف جنيه للطلب الواحد. وقد ذكرت لجنة المعلمين في بياناتها أن الشخص الذي نهب المعلمين اسمه عمر أبوهريرة، وبعد التشهير به بواسطة اللجنة تم فصله بصورة سرية، ولم تعترف وزارة التربية أو ولاية الخرطوم بما قام به.

ولعل من أسوأ ما أصاب المعلمين في هذه الحرب، ما نشرته لجنة المعلمين من قوائم بأسماء المعلمين الذين تم قتلهم أو ضربهم أو إهانتهم أو اعتقالهم من كلا طرفي الحرب. فقد ذكرت اللجنة أسماء 50 معلماً تم فصلهم بواسطة حكومة البرهان فصلاً تعسفياً، ليس له سبب إلا أنهم عُرفوا بمواقف سياسية ضد نظام الإخوان المسلمين الذي أسقطته الثورة. وأن هناك 12 معلماً تم اعتقالهم بواسطة الدعم السريع، و13 معلماً تم اعتقالهم بواسطة الجيش. كما أن ثمانية معلمين قُتلوا بواسطة قوات الدعم السريع، وأربعة معلمين قُتلوا بواسطة الجيش.

ولما كانت لجنة المعلمين تملك المعلومات الموثقة عن هذه الأحداث، فإن من واجبها أن تطلب رسمياً من قيادة الجيش وقيادة الدعم السريع إطلاق سراح المعلمين المعتقلين، والتحقيق في مقتل الذين قُتلوا، وأن تعلن للشعب السوداني رد الجيش ورد الدعم السريع حول هذه الاتهامات. ثم إن لجنة المعلمين، باعتبارها ممثلاً لآلاف المعلمين، يمكنها أن تخاطب جهات دولية حول الجرائم التي حدثت للمعلمين.

ورحم الله الشاعر أحمد شوقي حين قال:

أرأيتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي

يبني وينشئُ أنفساً وعقولاً؟

11 ديسمبر 2025م

–

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!