رأي

مبادرة للسلام قبل فوات الأوان: لماذا يجب تسليم الدلنج وكادقلي لتجنيب المدنيين كوارث الحرب؟

صلاح جلال

 

 صلاح جلال

في جنوب كردفان، يتداعى صوت العقل من أعماق الخوف والقلق، حيث تنادت القيادات الأهلية والشباب، رافعين مبادرة جديدة تهدف لتجنيب مدنهم سيناريوهات الفناء التي شهدتها مدن سودانية أخرى. إنها مبادرة تسليم الدلنج وكادقلي لقوة محايدة أو طرف ثالث، تجنباً لمعركة خاسرة ضحيتها الأولى والأخيرة هي أرواح المدنيين.

    هذه ليست المبادرة الأولى من نوعها. فقد سبق أن طرحنا، مع الأخ عبد الواحد محمد نور، مبادرة الفاشر في بدايات حصار المدينة، داعين إلى تسليمها لطرف ثالث يحميها من أنياب الحرب. لكن النداء سقط يومها على آذان صمّاء، وفوق قلوب صلّبتها الشعارات الجوفاء. رفعوا شعار “الفاشر شنب الأسد” وكأنه تعويذة للنصر، فإذا بالأسد بلا شنب، والمدينة تتحول إلى رماد.

اليوم، وبعد أن خمدت النيران فوق جثث الأبرياء، يتباكى دعاة المواجهات على ما حلّ بالفاشر، رغم أن المأساة لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت من صُنع أيديهم وإصرارهم على الحرب.

     إن ما جرى في الفاشر، ثم بابنوسة، يقدم درساً قاسياً لكنه ضروري. وما لم نستوعبه الآن، فسنكرره غداً في الدلنج، وبعد غدٍ في كادقلي، ثم أبو جبيهة والأبيض. إن المدن ليست ساحات تجريب، ولا ينبغي أن تتحول إلى مقابر جماعية بسبب عناد سياسي أو رهانات عسكرية خاسرة.

لقد تجاوزت الحرب حدود المعقول، وأثبتت أن رفض السلام لتحقيق أهداف سياسية هو شكل من أشكال الجنون، وأن هذا الجنون يدفع الشعب ثمنه دمًا ودمارًا. ما يحدث اليوم هو انقلاب كامل في المنطق: انتعلت رؤوسنا أحذية وتعممت أرجلنا؛ قلبت المفاهيم، وانقلب معها الوطن.

         إن المبادرة المطروحة الآن ليست ضعفاً ولا استسلاماً، بل شجاعة ووعي ومسؤولية. حماية المدنيين واجب وطني وأخلاقي، والبحث عن بدائل للحرب ضرورة لا ترف.

إذا أردنا لجنوب كردفان أن تبقى، وللسودان أن يستعيد عافيته، فعلينا الإصغاء للأصوات الحكيمة قبل أن يفوت الأوان. فالحرب، مهما طال أمدها، ستنتهي. لكن الخراب الذي تتركه… قد لا يُصلَح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!