
أبو عبدالله الراشدي
الفاشر ليست مدينة عادية كي تُترك نهبًا للمرويات المشوهة ولأصوات التحشيد السياسي والإعلامي. إنها وعاء اجتماعي فريد، تختلط فيه الأنساب بالذاكرة، ويتجاور فيه التاريخ مع طبائع الناس السمحة التي حفرت لنفسها مكانًا في وجدان السودان كله. وإذا كانت الحرب قد نجحت في تفريق السواعد وإظلام البيوت، فإنها لم تنجح ولن تنجح في تغيير طبيعة الفاشر: مدينة اجتماعية في جوهرها، تتجاور داخلها القبائل لا على هوامش الصراع، بل داخل نسيج حياة يومية مترابطة لا مثيل لها.
اليوم، ومع استعادة الهدوء النسبي في المدينة، تبرز الحاجة المُلحة إلى إعادة إنسان الفاشر قبل أي شيء آخر. فالناس هنا، مهما تعددت روايات الإعلام عنهم، لا يقفون مع طرف ضد آخر. السواد الأعظم منهم أنهكته الحرب، ورفضوا منذ بدايتها الدخول في تموضعات مسلحة أو تأييدات قسرية. هم ببساطة يريدون السلام، ويريدون العودة إلى منازلهم، إلى أسواقهم، إلى مدارس أطفالهم، وإلى إيقاع الحياة الذي كان يشكل شخصيتهم الجامعة.
ورغم التشويش الذي حاولت بعض المنصات الإعلامية تكريسه، إلا أن الحقيقة على الأرض أوضح من كل زيف: أهل الفاشر ضد الحرب، ضد القهر، وضد تحويل مدينتهم إلى ملعب لتصفية حسابات الآخرين. وهم اليوم أكثر رغبة من أي وقت مضى في العودة إلى ديارهم ما دام الطريق ممهّدًا والأمان ممكنًا.
من هنا، تأتي أهمية الجهود التي تبذلها حكومة تأسيس على الأرض، وهي جهود—على الرغم من صعوبتها—تتحرك في الاتجاه الصحيح، وتعطي إشارات مشجعة لإعادة الحياة الطبيعية. لكن المطلوب اليوم ليس مجرد خطوات متفرقة، بل رؤية شاملة تضع عودة الإنسان في قمة الأولويات، لأن المدن لا تُبنى بالحجارة وحدها بل بأهلها.
أولى هذه الخطوات تتمثل في توفير ضمانات أمنية واضحة لعودة السكان إلى أحيائهم، مع تعزيز انتشار الشرطة المدنية وإزالة المظاهر العسكرية غير الضرورية من قلب المدينة. فلا معنى لحديث عن التعافي ما لم يشعر الناس أن بيوتهم آمنة وأن ليلهم مستقر. ويجب أن يصاحب ذلك تحريك عاجل لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه، لأن الخدمات الأساسية هي الروح التي تعيد للجسد قدرته على النهوض.
كما ينبغي إطلاق برنامج واسع للعودة الطوعية، تلتزم فيه حكومة تأسيس بتوفير الدعم اللوجستي والغذائي في الأسابيع الأولى، دون انتظار بطء الإغاثة الدولية. فالناس لن يترددوا في العودة ما دام الحشد الإنساني يحفّزهم ويستقبلهم، وما دامت الدولة تمد يدها لهم بطريقة مباشرة ومسؤولة.
لا يمكن كذلك إغفال أهمية فتح الطرق الحيوية بين الفاشر والمدن المجاورة، مثل مليط وكتم وكبكابية، وتأمين خطوط التجارة التي تربط الإقليم بليبيا. فالتجارة ليست مجرد اقتصاد، بل هي شريان حياة يُعيد للمدينة نبضها ويخلق حركة اجتماعية تسرّع التعافي.
وأخيرًا، فإن الفاشر تحتاج اليوم إلى إعادة الاعتبار بزيارة قيادية رفيعة، تُشعر الناس بأن مدينتهم ليست هامشًا ولا منطقة منسية، بل هي قلب من قلوب السودان، وعنوان من عناوين صلابته التاريخية.
إن الفاشر لم تكن يومًا مدينة مغلقة على عِرقٍ أو جهة، ولم تكن يومًا ساحة لكراهية مصطنعة. إنها مدينة لكل السودان، بأخلاقها، ونسيجها، ومخزونها الاجتماعي العظيم. وأجمل ما يمكن أن يُقدّم لها اليوم هو أن تعود كما كانت: مدينة الحياة والتسامح والامتداد الإنساني.
وحتى يتحقق ذلك، فإن المسؤولية مشتركة، لكن العبء الأكبر يقع على حكومة تأسيس: أن تضع الإنسان أولًا، وأن تجعل عودة أهل الفاشر فعلًا عاجلًا لا وعدًا مؤجّلًا، لأن المدن العظيمة لا تنتظر، بل تنهض حين يستعيد أبناؤها منازلهم وكرامتهم وأملهم في غدٍ مختلف.



