
عباس احمد السخي
تمثل ظاهرة الدولة المقيتة أحد أكثر تجليات الانحطاط السياسي والاجتماعي خطورة، فهي الدولة التي تتشكل بنيتها العميقة على رعاية الكراهية وتمكين التمييز وتغذية منظومات الإقصاء حتى تصبح جزءًا من وعي المجتمع لا مجرد انحراف عابر. فالدولة المقيتة ليست حكومة سيئة أو إدارة ضعيفة فحسب، بل منظومة متكاملة تُشرعن التفوق العرقي، وتتسامح مع التعصب، وتمتنع عن إنتاج أي إرادة سياسية لمواجهة الخطاب الفاشي الذي ينمو في الفضاء العام. ومع غياب الوعي الحي الذي بواجه هذا الوعي المسموم، يتسلل التضليل إلى التعليم والإعلام فيتحولان إلى منصات تعيد إنتاج الكراهية بشكل مؤسسي، وتغرس داخل الأجيال رؤية مريضة للحياة يقوم فيها الوطن على تراتبية قاسية تُربّي أبناءه على الاحتقار والنبذ أكثر مما تربّيهم على التعايش والاحترام.
وتتوالد من هذه البنية المختلة نتائج سياسية واجتماعية متوقعة لا تخطئها العين؛ حيث يتفكك النسيج الاجتماعي، وتتسع الهوة بين المجموعات، وتنعدم فرص الارتقاء المتكافئ، وتنهار المؤسسات الرسمية التي تفقد حيادها وتصبح أدوات لخدمة الأعراف التمييزية بدل أن تكون أذرعًا للعدالة. وتنتشر الجريمة مع ضياع العدالة، ويتآكل النظام التربوي الذي يتحول من وسيلة للتحرير إلى وسيلة لإعادة إنتاج الهامشية والعنف، ويصبح التعليم نفسه أداة لخلق مواطنين ناقمين أو خاضعين لا مواطنين أحرار.
وهنا؛ يقدّم السودان نموذجًا مؤلمًا لهذه الحالة، حيث تعمقت فيه سرديات التمييز عبر عقود طويلة حتى صار المجتمع منقسمًا إلى طبقة عليا مُتخيّلة تربط نفسها بالعباس والصحابة وتُقدَّم كأصل اجتماعي وسياسي يستحق الامتياز، في مقابل قوميات أفريقية أصيلة يجري النظر إليها نظرة دونية عبر خطاب مستتر يصفها بأسوأ الصفات ويعاملها كهوامش تاريخية لا كأصل من أصول الوطن. هذا التصنيف غير المعلن، الذي لا يظهر في الدساتير لكنه يحكم حركة السلطة والثروة والتعليم، أنتج دولة عاجزة عن إدارة تنوعها أو صيانة وحدتها، واستسلمت فيها النخب الحاكمة لخطاب التفوق العرقي بدل مواجهته، فتكاثرت داخله الأفكار الهدامة التي تشجع التراتبية الاجتماعية وتمنح الامتياز لطبقة على حساب أخرى، فيتحول الوطن إلى ساحة مغلقة لا يمكن فيها لجزء من الشعب أن يشعر بالانتماء الكامل.
ولأن الدول التي تُبنى على الكراهية لا يمكن أن تنتج إلا الكراهية، يصبح التمرد والانقسام نهاية حتمية، ويغدو انفجار العنف ليس حدثًا طارئًا بل نتيجة طبيعية لبنية سياسية قامت أصلًا على نفي العدل وتوزيع الحقوق وفق معيار الأصل لا معيار المواطنة. وهكذا تتحول الحرب الأهلية إلى الطريق الوحيد لإعادة ترتيب موازين القوة حين تغيب الدولة التي تساوي بين أبنائها، وتفقد المجتمعات ثقتها في بعضها وفي المؤسسات التي تزعم أنها تمثل الجميع بينما هي في حقيقتها تخدم فئة قليلة وتقصي الأغلبية.
إن الدولة المقيتة ليست مصطلحًا تحليليًا فحسب، بل حقيقة تاريخية يعيشها السودان اليوم بكل تجلياتها المؤلمة، وحضورها الصارخ في كل تفاصيل المشهد السياسي والاجتماعي. ومع أن السودان يقف أمام منعطف وجودي، فإن الحقيقة تبقى واضحة: لا يمكن لهذا الوطن أن ينهض ما لم تُقتلع جذور الخطاب الفاشي من ثقافته وتعليمه وإعلامه، وما لم تتشكل دولة جديدة لا تقدّس نسبًا ولا تُشيطن آخر، دولة تقيم العدل بين مواطنيها وتعيد بناء ما دمرته عقود طويلة من الكراهية المقنّعة. إنه سؤال مصيري لن يجيب عنه إلا مشروع وطني جديد يؤمن بأن السودان لا يمكن أن ينجو إلا إذا أصبح مساحة مشتركة تتسع للجميع دون تفوق ولا تمييز ولا ميراث مسموم من عصور الاستعلاء.




