رأي

أيها الناس فيم التلاوم ؟ 

خالد فضل

 

خالد فضل 

لا تبدو لي الحرب ونتائجها عملا غريبا أو حدثا جديدا في خبرة جميع السودانيين . الذين ولدو يوم 1ينائر 1956م ولدوا على وقع الحرب في السودان , فبينما كان المبتهجون في شوارع الخرطوم برفرفة العلم عاليا فوق السارية , كان هناك رصفاء لهم من السودانيين المفترضين يتأوهون من فقد أحبائهم , يتألمون من غور جراحاتهم واصاباتهم , كانوا حزينين على كل حال , فهل خطر ببال المحتفلين حال أؤلئك المعذبين في جزء من أرض السودان كامل السيادة المتطلع للريادة .

هل كان يوجد شعور وطني سوداني بين الاقوام المتساكنة على هذه الأرض ومقدارها مليون ميل مربع حتى 11يوليو2011م . شعور يتعدى مضمضمة الشفاه , والعبارات الكسولة , شعور صادق وحقيقي بحيث يجعل لكل إنسان قيمته كبشر سوي , يستحق الرعاية والحق في العيش والنمو وترقية سبل الحياة , أم ظلّ الفرد على أفضل الأحوال يشعر بانتمائه لأهله عشيرته , قبيلته أو جهته كأوسع إنتماء . كيف كان الناس في شمال السودان ينظرون إلى الناس في جنوبه , وكيف كانت مقامات الناس في الشمال الجغرافي نفسه , وتسيماتهم الجهوية بين غرّابة وأولاد بحر , وأدروبات الشرق , ثم التقسيم العرقي بين أولاد عرب وعبيد , هل تجاوز الناس في السودان أو عبروا هذه المحددات فيما بينهم , هل للتعليم وانتشاره دور في رفع الوعي بالإنسان كقيمة في حد ذاته بدون النظر إلى منحدره ومنشأه وعرقه وجهته ونوعه (ذكر/انثى) أم أنّ القلم ما أزال البلم كما يقال .

لابد من الإقرار بأنّ عطبا ما ظلّ ملازما لمعظم المواطنين السودانيين الذين تولوا بطريقة وأخرى مسؤوليات إدارة البلاد المستقلة , لقد رجحّت عندهم سمات ما دون الإنسانية بتمام حقوقها وواجباتها فانكفأ معظمهم إلى منحدره الأضيق , حزبا أو مؤسسة عسكرية أو جهة وعرقا أو معتقدا دينيا أو قبيلة , ثمّ ضاقت الدائرة إلى الأهل والعشيرة قالأسرة الممتدة ونواتها الصعيرة . كان من يمتازون بالأفق الرحيب لا يحظون بالتقدير اللازم , لا ينظر إليهم بإعجاب خاصة بين دوائرهم الأصغر , فالمسؤول الحزبي الذي يتعامل مع المسؤولية من منطلق إنساني شامل ينظر إليه كمغرّد خارج سرب منظومته , تتم مضايقته وكبح جماحه فيضطر أحيانا للإستقالة من الموقع تحت الضغط , والمفكر الذي يتأمل في رحابة الدين الإسلامي تحديدا , فينتج فكرا تقدميا يتجاوز الموروث المحفوظ من فهم وفقه يعتبر مارقا ومرتدا فيشنق على أعواد المشنقة كما حدث مع الأستاذ محمود محمد طه . والمثقف الذي يأتي بنظرة شاملة تحلل أوضاع الحياة الساكنة وما يشوبها من خلل بليغ فيتمرد ويثور يتم التعامل معه كمتمرد عميل وخائن مرتزق , كما حدث مع الراحل د. جون قرنق , وحتى شباب الثورة الأخيرة في عنفوانهم وتطلعهم لتأسيس بلد جديد بمفهوم جديد قوبلوا بالتنكيل والقتل والدهس والتصفيات الجسدية وشيعوا بالبهتان بإعتبارهم يتعاطون المخدرات ويحتسون الخمور ويمارسون الزنا , إنهم على أفضل التوصيف مخربون .

الإنفصام في شخصية الفرد السوداني تجعله متأرجحا بين بين , وتشويش الهوية يجعله يركض هنا وهنا بدون وعي , أغنية أنا إفريقي أنا سوداني التي يتمايلون على إيقاعها طربا ورقصا إفريقيا فصيحا يصاحبه مباشرة إحساس بأنّ الأفارقة زنوج عبيد ونحن عرب نؤوب إلى بكر وتغلب وعدنان . أما غناء اللغات الإفريقية الأخرى فلا يطرب أحدا من ( الإفريقي السوداني) قبل قليل , فتلك رطانة ليس إلاّ , هكذا تمضي سنوات العمر بمعظمنا وهو على هذا الهذيان . يتولى من يتولى الحكم والمسؤوليات وهو بعد لم يتحد كفرد سوداني أصيل . يكون الأداء تبعا لحالة الإنفصام فهناك من يستحقون أن تتيسر لهم سبل العيش وآخرون لا يستحقون سوى التأديب وإعادة صياغتهم من جديد . تزوي المؤسسات بفقدان الروح وثنائية الإحساس , تضيق الفرص أمام جمهرة من المواطنين وتتسع بل تمنح كاملة لبعض المحظيين بالقبول , فتنشأ أجيال من السودانين , بعضها يترقى ويحوز وآخر يزوي ويفقد حتى الروح لأنه متمرد خائن عميل .

هذه ملامح فقط من تعايش لم يقم على السلم والإحترام , بل نشأ على الفرقة والتفرقة والإنقسام , ومع ذلك هناك من يستغربون للحربة , أو الموت سمبلا في بلد لم يهب الحياة للناس ونتلاوم !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!