رأي

بورتسودان تكشف العُري السياسي لجماعة الاخوان 

علي سانتينو

 

علي سانتينو

ما جرى في بورتسودان لم يكن تظاهرة جماهيرية كما حاولت أبواق الكيزان وقيادة جيش البرهان تصويره، كانت فضيحة سياسية مكتملة الأركان، كشفت عري المشروع الإخواني والعسكري معاً، وأسقطت آخر الاقنعة عن منظومة تعيش على الأوهام، وتتغذى من المال العام. فالحشود التي أعلن لها تحت لآفتات زائفة وشعارات مستهلكة لم تكن تعبيراً عن رأي عام بقدر ما كانت عملية مدفوعة الأجر، صُنعت في الغرف المغلقة، ومُوّلتها خزائن الدولة المختطفة، بهدف التكسب السياسي الرخيص ومحاولة خلق صورة وهمية لقوى شعبية لم تعد موجودة إلا في خيال قادة الاخوان ومن تبقى من خلاياهم في المؤسسة العسكرية!

ما صنعته عصابة بورتسودان لم يكن فعل جماهيري، كان نتيجة هندسة فاسدة لحشود البيع، حيث رُصدت ميزانيات مهولة، وُجهت بلا حياء لشراء الولاءات، واستجلاب مرتزقة الحركات المسلحة، ودفع أثمان النفاق السياسي والإعلامي! ان المال العام الذي يفترض أن يُصرف على الغذاء والدواء والخدمات الضرورية، تحوّل مرة أخرى إلى أداة في يد عصابة تعرف كيف تسرق لكنها لا تعرف كيف تحكم. هذه ليست زلة محدودة، هو سلوك متجذر في عقلية الحركة الإسلاموية التي تتقن الفساد والاستبداد، ولم تُحسن استخدام السلطة إلا لتخليد نفسها على أنقاض الدولة!

الأخطر في هذا المشهد الصادم أن الحشد الفاشل، بدل من أن يمنح هؤلاء شرعية زائفة، فضحهم داخلياً وخارجياً. لقد رأى العالم بوضوح أن الإخوان المسلمين في السودان لا يملكون جمهوراً، ولا قاعدة اجتماعية، ولا مشروعاً وطنياً. وما ظهر في الشورع لم يكن جمهور حقيقي، بل هم موظفين مؤقتين في مسرحية رديئة الإخراج، لا روح فيها ولا قناعة. هم عصابة بلا دين سياسي ولا أخلاق عامة، لكنها تستدعي الخطاب الديني حيناً والوطني حيناً آخر، لكن جوهرها لا يؤمن إلا بالغنيمة وافساد الحياة!

إن فشل هذه التظاهرة اطلاقاً لم يكن في ضعف الأعداد، بل كان في الدلالة السياسية لهذة الجماعة الاجرامية، الجماعة التي تعيش بعقلية التدابير، وتعتقد أن المال قادر على صناعة المشهد، وأن الحشود الوهمية يمكن أن تعوض الغياب الكامل للثقة الشعبية. إنهم يعيدون إنتاج ذات الأساليب التي أوصلت السودان إلى حافة الانهيار، الصرف السياسي الفاسد، وشراء الذمم، وتحويل الدولة إلى ماكينة دعاية، واستباحة الخزينة العامة بلا ضمير. وما بورتسودان إلا نموذج مصغر لدولة مختطفة تُدار بمنطق العصابة لا بمنطق المؤسسات!

على المستوى السياسي، جاء هذا الفشل في توقيت بالغ الحساسية، بعد إخفاق عسكري واضح، وتراجع في النفوذ الإقليمي، وانكشاف تحالفات مشبوهة. لذلك حاولت هذه المنظومة أن تعوّض هزائمها الميدانية بعرض مسرحي على الشارع العام، لكنها نسيت أن الشعوب المنهكة بالحروب، قادرة على التمييز بين الغضب الحقيقي والتمثيل المدفوع. حيث كانت النتيجة عكسية تماماً، مزيد من السخط ومزيد من العُزلة، ومزيد من الإنكشاف!

ومن هذه اللحظة لم يعد مقبولاً أن يقف الشعب السوداني في موقع المتفّرج، ان ما يجري في بورتسودان يؤكد أن معركة استعادة الدولة لم تُحسم بعد، وأن عصابات السياسة والمال والسلاح ما زالت تحاول إعادة تدوير نفسها باساليب مختلفة. والتصدي هنا لا يعني الفوضى او العنف، هو يعني الوعي التنظيمي والضغط السياسي المتواصل من أجل استعادة الحكم المدني الديمقراطي، وتفكيك الشبكات الاجرامية التي اختطفت قرار الجيش وحولته من مؤسسة وطنية إلى أداة في يد فئة أيديولوجية!

إن بناء جيش قومي مهني، يمثل كل أهل السودان بلا إقصاء لم يعد شعاراً، بل شرطاً من شروط بقاء الدولة. فالجيوش التي تُستعمل لحماية مشاريع أيديولوجية مصيرها الانقسام، والدول التي تُدار بعقلية الغنيمة مصيرها الانهيار. واذا لم يُحسم الصراع لصالح دولة مدنية ديمقراطية، فإن سلطة بورتسودان ستظل محطة في مسلسل الانهيار و الفشل!

لقد سقط القناع وانتهت الخديعة. ولم يعد أمام السودانيين سوى خيار ان تكون السودان دولة لكل مواطنيها، أو استمرار حكم العصابة بأسماء وشعارات مختلفة. والتاريخ لا يرحم من يصرّ على المضي عكس إرادة الشعوب كما اثبتت كل التجارب في العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!