المرأة التي مشت فوق الحبال: بورتريه خطير لسعادة السفيرة أميرة قرناص
تحقيق استقصائي اقتصادي …نجم الذي دريسة

تحقيق استقصائي اقتصادي .. نجم الذي دريسة
هناك نساءٌ تبدو حياتهن كأنها صدفةٌ طويلة، تُنقل الواحدة منهن من مكتب إلى آخر وكأن الريح تحملها. وهناك نساءٌ يظن الناس أنهن هكذا—مجرّد ظلال أنيقة تمر في الصور الرسمية—بينما هنّ في الحقيقة يرسمن الخرائط، ويُمسكن بالخيوط، ويحركن المقاعد خلف كواليس الدولة. أميرة قرناص تنتمي إلى الفئة الثانية؛ الفئة التي تتقن لعبة «البراءة» كما يتقن الجاسوس لعبة التنكّر. تلك البراءة التي لا يشكّ فيها أحد إلا بعد فوات الأوان.
في ظاهر الأمر، تبدو سيرتها الوظيفية مسارًا أكاديميًا–دبلوماسيًا مستقيمًا: محاضرة جامعية في الرياض من 1989 إلى 1993، ثم دخول صامت إلى وزارة الخارجية بعد امتحان قبول نزيه (!) عام 1996، بدرجة مستشار. لكنّ الحقيقة أن هذا الدخول كان أشبه بابتلاع ضوء صغيرٍ في غرفة معتمة؛ سرعان ما اكتشف الجميع لاحقًا أنه كان بداية سلسلة حلقات لا تكتمل إلا إذا وُضع اسم قرناص في منتصفها.
منذ ذلك التعيين الأول، تجوّلت السفيرة في إدارات تبدو، على الورق، غير متصلة: المنظمات الدولية، الشؤون الأفريقية، حقوق الإنسان والمرأة والطفل، المراسم، ثم الشؤون القنصلية. لم يكن أحد يفهم معنى هذا الانتقال الدوري. وحدها قرناص كانت تعرف أن كل مكتب من تلك المكاتب يخفي خلفه بابًا يؤدي إلى خزائن التمويل الخارجي، والمنح، والبرامج الأممية التي تمر على السودان كما تمر الطيور المهاجرة: لا تستقر إلا إذا وجدت من يهيّئ لها العش.
ولأن القدر—أو الحيلة—يحتاجان دائمًا إلى مسرح أكبر، حصلت قرناص على واحد. ففي 2000 انتقلت إلى نيويورك، بقلبٍ رقيق وملفّاتٍ أثقل مما تبدو عليه حقيبتها الدبلوماسية، لتعمل لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة حتى 2007. هناك، في دهاليز المنظمة، يجري الماء الحقيقي: القروض، الاتفاقيات، المنح، المشاريع التي تبدأ بكلمة «تنمية» وتنتهي على حساب دولةٍ لم ترَ منها إلا النزر اليسير.
ثم العودة إلى الخرطوم: رأس إدارة البيئة والموارد الطبيعية، ثم إدارة التعاون الاقتصادي والفني—ويا للمصادفة! الإدارتان اللتان تمرّ عبرهما معظم التمويلات الدولية للسودان. كانت هذه، باختصار شديد، المرحلة التي تعلم فيها الثعلب أن يمشي على قائمتين.
وحين عُيّنت سفيرةً في إيطاليا (2011–2015)، اكتملت الدائرة. لم تكن مجرد سفيرة؛ كانت أيضًا المندوبة الدائمة للسودان لدى الفاو، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، وبرنامج الأغذية العالمي. أي أنها أصبحت—من حيث لا يشعر أحد—في قلب «عاصمة القروض الزراعية» في العالم. بل إن انتخابها لاحقًا لرئاسة لجنة الأمن الغذائي العالمي (2015–2017) منحها الصفة التي لطالما أرادتها: دبلوماسية فوق الشبهات، محاطة بهالة دولية. إنها الكفاءة المجردة، الشفافية البريئة، والمرأة التي صعدت بجدارتها وحدها—أليس كذلك؟
لكن المدهش ليس صعودها، بل التمويه الذي أحاطته به. فقد كان كثيرون يرونها «ضحية ثقافة ذكورية»، امرأة لطيفة تُجامل الرجال لتصل؛ بينما كانت في الواقع تُجيد اللعب على حدّين: حدّ «الأنثى المستضعفة» وحدّ «الخبيرة التي تمرّ عبر كل العقود دون أن تترك بصمة تُدينها».
لم يكن أحدٌ—حتى المحققون الذين قلبوا ملفات لجنة إزالة التمكين عام 2019—يعرف أن كل منصب تسلّمته قرناص كان حلقةً في سلسلة واحدة: سلسلة التمويل الخارجي. كل خطوة، كل ترقية، كل إعارة، كل منصب أممي… كان يقربها أكثر من مركز الشبكة: شبكة القروض الدولية.
وها هي اليوم—بينما يُظنّ أن علي كرتي كان مهندس المنظومة—تعود سيرتها الذاتية لتقول شيئًا آخر تمامًا: إن مهندس الظل لم يكن الرجل، بل المرأة التي لم نُعِرها انتباهًا كافيًا، لأنها كانت أبرع من أن تثير الريبة، وأذكى من أن تتحدث كثيرًا. ولأن لكل قصة نهاية، جاءت الإعفاءات والقرارات المضطربة، ثم الأخبار عن إعادتها للخدمة بقرار قضائي عام 2025. لكن السؤال ليس: هل عادت؟ السؤال هو: هل خرجت أصلًا من اللعبة؟
ونواصل ……




