
نجم الدين دريسة
لم يعد السودان في لحظته الراهنة محتاجًا إلى المزيد من التحالفات السياسية التي تغيّر أسماءها وتُعيد إنتاج الوجوه ذاتها، بينما تظل الرؤى حبيسة الأفكار القديمة نفسها. فالأزمة السودانية لم تعد أزمة تنسيق بين قوى، ولا فجوة تمثيل بين منابر، بل أزمة بنيوية عميقة في فهم طبيعة الدولة، ومصدر الشرعية، وأدوات التغيير. كل تحالف لا ينطلق من هذا الإدراك، ولا يخاطب جذور الانهيار التاريخي، إنما يضيف طبقة جديدة من الضجيج فوق ركامٍ لم يُرفع بعد.
إن الإصرار على إنتاج تحالفات “مدنية” جديدة، دون مراجعة جذرية للفشل المتراكم منذ ما قبل الثورة، لا يعني سوى إعادة تدوير الوهم: وهم أن الأزمة قابلة للحل عبر هندسة سياسية فوقية، أو عبر توافقات نخبوية لا تمتلك أدوات الفعل ولا الجرأة على القطيعة. في لحظة تأسيسية كالتي يعيشها السودان اليوم، لا يكون التكرار حيادًا، بل انحيازًا صريحًا لبقاء الأزمة.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من التحالفات… بل إلى مشروع يتجاوز منطق التحالف ذاته
لم تعد مشكلة السودان في غياب الأطر السياسية، بل في فائضها العقيم. عشرات التحالفات، البيانات، المبادرات، والإعلانات، لم تنجح في وقف الحرب، ولا في تقديم أفق سياسي مختلف، لأنها تشترك جميعًا في العلة نفسها: الانطلاق من خيال سياسي قديم يرى التغيير بوصفه إعادة ترتيب للسلطة، لا إعادة تأسيس لها.
هذه التحالفات، مهما حسنت نواياها، تعيد إنتاج ذات الشخوص، وذات اللغة، وذات السقف المنخفض. تتبدل اللافتات، لكن الجوهر واحد: رهانات على الخارج، خوف من القطيعة، وتجنب دائم للأسئلة التي تُربك النخب لكنها وحدها القادرة على إنقاذ البلاد. السودان لا يحتاج إلى تحالفات تُجمّل العجز، بل إلى مشروع يتجاوز منطق التحالفات نفسها، ويطرح سؤال الدولة من جديد.
تحالف تأسيس كتحوّل نوعي لا كترتيب سياسي عابر
في هذا السياق، يبرز تحالف تأسيس بوصفه قطيعة معرفية وسياسية مع كامل الإرث الذي قاد إلى الحرب، لا بوصفه مجرد إضافة إلى سوق التحالفات. تميّز هذا المشروع لا يعود إلى حجمه التنظيمي، بل إلى أطره النظرية والمفاهيمية التي خاطبت جذور الأزمة السودانية: الدولة المركزية القسرية، تديين السياسة، عسكرة المجال العام، واحتكار الشرعية باسم هوية واحدة.
تحالف تأسيس لم ينطلق من سؤال “من يحكم؟”، بل من سؤال “كيف تُبنى الدولة؟ ولصالح من؟”. وهذا الفارق الجوهري هو ما يجعله متجاوزًا لكل الصيغ التي تحاول إدارة الانهيار بدل تفكيكه. إنه مشروع لا يساوم على القطيعة، ولا يخشى تسمية الأشياء بأسمائها: لا سلام بلا تفكيك للدولة القديمة، ولا مدنية بلا علمانية، ولا وحدة بلا عدالة تاريخية.
خطيئة المساواة الأخلاقية بين الجيش والدعم السريع
من أخطر مظاهر العجز السياسي لدى بعض القوى المدنية، اندفاعها نحو مساواة الجيش وقوات الدعم السريع أخلاقيًا وسياسيًا، تحت لافتة “رفض الحرب”. هذه المساواة ليست فقط خطأً تحليليًا، بل تجنٍّ فجّ على الوقائع، وقفز متعمد فوق سياق الثورة ومسارها.
فقوات الدعم السريع انحازت مبكرًا للثورة السودانية، وقدّمت موقفًا سياسيًا واضحًا بالاعتذار عن الانقلاب في يومه الثاني، وسمّت الجهة التي وقفت خلفه بوضوح: التيار الإسلامي وتنظيماته داخل المؤسسة العسكرية. كما دعمت مسار الاتفاق الإطاري، وهو موقف لم يكن بلا ثمن، بل كان السبب المباشر في استهدافها، سياسيًا وعسكريًا، منذ أحداث المدينة الرياضية وحتى تفجّر الحرب الشاملة.
المساواة هنا لا تعكس حرصًا على السلام، بل عجزًا عن قراءة ميزان الصراع الحقيقي، وتفضيلًا للحياد الزائف على الموقف السياسي الواضح.
الجيش المختطف… حين تتحول المؤسسة إلى أداة لإجهاض الثورة
الحرب الجارية لم تنفجر من فراغ، ولم تكن نتيجة “صراع قوى” متكافئ، بل جاءت كخيار محسوب من قبل جيش مختطف بواسطة جماعات الهوس الديني، رأت في الثورة خطرًا وجوديًا على مشروعها. الهدف كان واضحًا: إجهاض الثورة، كسر مسار التحول المدني، والعودة إلى الحكم على حساب دماء الشعوب السودانية.
هذا السياق هو ما تتجاهله القوى التي تلوذ بخطاب “الطرفين”. فالجيش، بوضعه الحالي، ليس مؤسسة وطنية محايدة، بل بنية مخترَقة استُخدمت لإعادة إنتاج السلطة القديمة. تجاهل هذه الحقيقة لا يوقف الحرب، بل يطيل أمدها، لأنه يساوي بين الجلاد والضحية، وبين من أشعل الحريق ومن احترق به.
إنكار دور الدعم السريع… تغيير بلا أدوات
إن تنكّر بعض القوى المدنية لدور قوات الدعم السريع في إنجاح الثورة يكشف أزمة أعمق: الرغبة في التغيير دون امتلاك أدواته. فالثورات لا تنتصر بالأمنيات، بل بتوازنات قوى حقيقية على الأرض. والدعم السريع، بغضّ النظر عن التعقيدات المرتبطة به، كان أحد هذه الأدوات في لحظة مفصلية من تاريخ السودان.
إنكار هذا الدور لا يعبّر عن نقاء أخلاقي، بل عن مكابرة سياسية، ومحاولة لبناء سردية مريحة للنخب، حتى لو تعارضت مع الوقائع. لا يمكن بناء مشروع تغيير حقيقي عبر محو القوى التي أسهمت في حماية الثورة، أو عبر تخوينها لإرضاء خيال مدني منزوع الدسم.
المدنية بلا قوة… وهم أخطر من العسكرة
المدنية التي تُطرح بلا سند اجتماعي ولا أدوات قوة، تتحول إلى شعار أخلاقي لا مشروع سياسي. وهذا هو مأزق كثير من القوى التي ترفع شعار “مدنية” بينما ترفض الاعتراف بتعقيد الواقع، وبأن الانتقال يتطلب تحالفًا واعيًا مع القوى التي انحازت للثورة فعليًا، لا مع الصور المثالية عنها.
تحالف تأسيس أدرك هذه الحقيقة، فربط بين المشروع المدني وأدوات حمايته، وبين الدولة الجديدة والقوى القادرة على الدفاع عنها. أما المدنية التي تُبنى على الإنكار، وعلى المساواة الكاذبة، فهي مدنية عاجزة، لا تُسقط نظامًا ولا تمنع حربًا.
نحو أفق جديد… الدولة التي تستحقها الشعوب السودانية
السودان اليوم لا يقف على أعتاب تسوية، بل على مفترق تأسيس. إما دولة جديدة تُبنى على قطيعة واضحة مع الماضي، أو إعادة إنتاج للأزمة بأسماء مختلفة. لا مكان بعد الآن لتحالفات تُدار بعقلية ما قبل الحرب، ولا لخطابات تخشى تسمية الجناة، ولا لمشاريع تريد سلامًا بلا عدالة، ومدنية بلا قوة، وتغييرًا بلا أدوات.
تحالف تأسيس، بما يحمله من أفق نظري وسياسي، يفتح إمكانية الخروج من هذا النفق، لأنه لم يساوم على جوهر الأزمة، ولم يختزلها في صراع أشخاص أو مناصب. أما بقية التحالفات، التي تعيد تدوير ذات الرؤى، فلن تنتج سوى خيبات جديدة.
في لحظات كهذه، لا يُقاس الموقف بمدى راحته، بل بمدى اقترابه من الحقيقة. والحقيقة أن الثورة السودانية، الباذخة في تضحياتها، لن تُستكمل بخطاب رمادي، بل بمشروع واضح، منحاز، وجريء، يعترف بمن وقف معها، ويسمّي من انقلب عليها، ويمضي دون خوف نحو دولة تستحقها شعوب السودان.




