
د. نصرالدين احمد إدريس
في الدول التي تحترم نفسها، تُعدّ الجامعات خط الدفاع الأول عن العقل العام، ومختبر الأفكار في أزمنة الأزمات، والجهة التي تسبق السياسي لا التي تنتظر توجيهاته. أما في السودان، فقد كشفت السنوات الأخيرة – وخصوصًا حرب الخامس عشر من أبريل – حقيقة صادمة: الجامعات السودانية خرجت عمليًا من التاريخ الوطني، واختارت موقع المتفرج في لحظة كان يُفترض أن تكون في قلب الحدث.
ليست المشكلة في أن الجامعات تضررت بالحرب، فكل مؤسسات الدولة تضررت، بل في أن غيابها سبق الحرب بسنوات طويلة، وأن صمتها لم يكن اضطرارًا، بل كان نتيجة تراكم طويل من العجز، والخوف، والارتهان، والانفصال عن المجتمع.
(جامعة بلا موقف… معرفة بلا وظيفة)
تحولت الجامعات السودانية من فضاءات لإنتاج المعرفة النقدية إلى مصانع شهادات، ومن ساحات نقاش عام إلى إدارات بيروقراطية مشغولة بالجداول والامتحانات والترقيات الشكلية.
فأين كانت هذه الجامعات من:
تفكك الدولة الوطنية؟
عسكرة السياسة؟
انهيار العقد الاجتماعي؟
إعادة إنتاج المركز والهامش؟
تحوّل العنف إلى أداة حكم؟
لم تصدر عن الجامعات – كمؤسسات – أي تشخيص جاد للأزمة السودانية، ولم تُقدّم أي مقاربات علمية لفهم جذور الصراع، وكأن ما يجري في البلاد شأن سياسي عابر لا يستحق الاشتباك المعرفي.
الأخطر من أزمة المؤسسة هو أزمة الأستاذ الجامعي نفسه. فقد جرى، على مدى عقود، تفريغ هذا الدور من مضمونه التاريخي. تراجع الأستاذ من موقع “المثقف العضوي” إلى موقع الموظف، ومن موقع الباحث المنتج للأفكار إلى ملقّن يكرر مقررات مستوردة لا علاقة لها بالواقع السوداني، في لحظة كانت البلاد تحتاج فيها إلى ،دراسات عن الحرب والسلام وأبحاث حول تأسيس جيش مهني وأوراق سياسات حول الانتقال المدني وتصورات علمية لإعادة بناء الدولة
اختار أغلب الأساتذة الصمت، أو الاحتماء بالحياد الزائف، أو الهجرة الجسدية والفكرية، وكأن الهمّ الوطني شأن لا يخصهم.
(حرب 15 أبريل: الامتحان الذي فشلت فيه الجامعات)
كانت حرب الخامس عشر من أبريل امتحانًا تاريخيًا لدور الجامعات، وقد فشلت فيه فشلًا ذريعًا حيث لم نرَ اي مراكز دراسات جامعية تشتغل على تحليل الصراع أومبادرات أكاديمية لتوثيق الجرائم والانتهاكات اومنصات علمية تفكك خطاب الحرب والدعاية أو أي حضور منظم للأكاديميين في النقاش العام
في المقابل، تُرك المجال العام لخطاب السلاح، والشائعات، والتحريض، والجهل، بينما انسحبت مؤسسات المعرفة إلى صمت مخزٍ لا يليق بتاريخ الحركة الطلابية ولا بإرث الجامعة السودانية القديم.
(الجامعة المتواطئة بالصمت)
إن الصمت في لحظات الانهيار ليس حيادًا، بل موقف سياسي كامل. والجامعة التي لا تنحاز للحقيقة، ولا للضحايا، ولا للأسئلة الكبرى، تتحول – موضوعيًا – إلى جزء من الأزمة، لا إلى أداة لحلها.
لقد أسهمت الجامعات، بصمتها، في إفراغ النقاش العام من البعد العلمي وترك السياسة بلا عقل نقدي وتكريس القطيعة بين المعرفة والمجتمع وإعادة إنتاج النخب العاجزة نفسها
ما المطلوب؟ كسر هذا الوضع أو الاعتراف بالفشل
إما أن تُعاد صياغة دور الجامعات السودانية باعتبارها مؤسسات سيادية معرفية وشريكًا في صناعة القرار وصوتًا نقديًا مستقلًا عن السلطة والسلاح أو فلتعترف هذه الجامعات – بصراحة – بأنها لم تعد قادرة على لعب أي دور وطني، وأنها اكتفت بوظيفة إدارية بلا رسالة.
فلا دولة مدنية بلا جامعة نقدية،
ولا سلام بلا معرفة،
ولا مستقبل لبلد تصمت فيه العقول حين تتكلم البنادق




