رأيمجتمع

حكومة تأسيس والتعليم: فجوة الإرادة أم غياب الرؤية؟

د.موسي الأمين حمودة .. الضعين

 

دكتور موسي الأمين حمودة ..  الضعين 

رغم مرور فترة كافية على إعلان حكومة تأسيس وتولي رئيس مجلس الوزراء مهامه، لا يزال ملف التعليم يعكس حالة واضحة من التقاعس وغياب الأولوية، إذ ما تزال المدارس والجامعات مغلقة بالكامل في مناطق السيطرة، دون إعلان خطط زمنية واضحة أو اتخاذ إجراءات عملية تعيد العملية التعليمية إلى مسارها الطبيعي. هذا الإغلاق المستمر لا يمكن تبريره بالظروف الأمنية أو الإدارية بقدر ما يعكس فجوة حقيقية بين الخطاب السياسي المعلن وإرادة التنفيذ على أرض الواقع.

الأخطر في هذا المشهد هو تكدس ثلاث دفعات كاملة من طلاب المرحلة الثانوية، وجدوا أنفسهم عالقين في فراغ تعليمي قاتل، بلا مدارس ولا امتحانات ولا مسارات بديلة، الأمر الذي أدى إلى فقدان واسع للأمل في التعليم، وخلق حالة من الإحباط والضياع وسط شريحة تمثل عماد المستقبل. إن استمرار هذا الوضع يهدد بإنتاج جيل خارج المنظومة التعليمية، وهو ثمن باهظ سيدفعه المجتمع بأكمله، اليوم وغدًا.

أما على صعيد الجامعات والتعليم العالي، فإن الإغلاق الكامل يثير تساؤلات أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل عدم وجود موانع حقيقية تحول دون استئناف الدراسة، ولو بالحد الأدنى، للطلاب الذين يمتلكون أرقامًا جامعية رسمية وكان من المفترض ترحيلهم من فصل دراسي إلى آخر أو إلى السنة الأعلى. فالجامعات قائمة، والطلاب موجودون، وبعض الكوادر الأكاديمية لا تزال متاحة، ومع ذلك لا قرار، ولا رؤية، ولا حتى موقف معلن من الحكومة يوضح مصير التعليم العالي.

ولا يمكن إغفال استغلال سلطة بورتسودان لهذا الفراغ الخطير، حيث عمدت إلى ترغيب مئات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين للتوجه إلى مناطق سيطرة الجيش ومواصلة الدراسة والعمل في فروع الجامعات هناك. وقد ترتب على ذلك نزيف واضح في الكفاءات والعقول، وهجرة متزايدة للخبرات البشرية التي كان يمكن أن تسهم في بناء واستقرار مناطق حكومة تأسيس، لولا غياب القرار والإدارة الفاعلة.

إن استمرار إغلاق المدارس والجامعات في ظل هذه الظروف لا يمكن اعتباره مسألة إدارية مؤجلة، بل يمثل فشلًا صريحًا في إدارة أحد أهم حقوق المواطنين الأساسية. فالتعليم ليس ترفًا يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى، بل هو شرط أساسي للاستقرار، وأحد أعمدة بناء الدولة التي تتحدث عنها حكومة تأسيس في خطابها السياسي.

وعليه، فإن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس متعلقًا بندرة الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل بالإرادة السياسية ووضوح الرؤية. فهل تملك حكومة تأسيس، والسيد رئيس مجلس الوزراء على وجه الخصوص، الشجاعة للاعتراف بأزمة التعليم واتخاذ قرارات عاجلة تعيد فتح المدارس والجامعات، أم سيظل هذا الملف معلقًا حتى يتحول الإهمال إلى خسارة وطنية لا يمكن تعويضها؟

د.موسى الامين حمودة

استاذ جامعي .. الضعين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!