رأي

مطارات السودان بين السيادة والانتهاك: قراءة قانونية وسياسية في سقوط الأقنعة

خضر كوة

 

 خضر كُوّة

لم يعد الحديث عن وجود قوات وطيران حربي مصري داخل السودان مجرد تكهنات أو تسريبات إعلامية متفرقة، بل أصبح واقعًا ميدانيًا متكررًا تؤكده الشواهد والوقائع. وما يجري في مطار دنقلا المدني لا يمكن التعامل معه كحالة عارضة أو ظرف استثنائي، بل يمثل حلقة ضمن نمط أوسع من التواجد العسكري المصري الذي امتد، وفق معطيات متداولة ومشاهدات متعددة، ليشمل مطارات مروي، بورتسودان، الأبيض، كادقلي، كسلا، وكنانة. هذا الاتساع الجغرافي وحده كفيل بإسقاط أي رواية تقلل من خطورة الأمر أو تصفه بأنه مجرد “تنسيق محدود” أو “إجراء مؤقت”.

الأكثر خطورة في هذه الوقائع ليس فقط طبيعة التواجد العسكري، بل مكانه. فالتواجد يتم داخل مطارات مدنية مخصصة للخدمات والنقل العام، وعلى رأسها مطار دنقلا المدني، وليس داخل قواعد عسكرية معزولة أو مناطق مغلقة. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنيًا أو إدارياً، بل يمثل انتهاكًا مباشرًا لسيادة السودان، وتحويلًا متعمّدًا لمنشآت مدنية محمية إلى أدوات في الصراع العسكري، بما يعرّض حياة المدنيين للخطر، ويُسقط عن هذه المنشآت صفتها المدنية والحماية المقررة لها بموجب القانون الدولي.

من زاوية القانون الدولي، يصطدم هذا السلوك بعدة قواعد أساسية لا تحتمل التأويل. أولها ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدًا المادة (2/4)، التي تحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد باستخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. إن وجود قوات أجنبية داخل مطارات دولة ذات سيادة، دون تفويض شرعي وشفاف صادر عن سلطة تمثل الإرادة الوطنية، يُعدّ تدخلًا محظورًا وانتهاكًا صريحًا لهذا المبدأ.

كما يتعارض هذا التواجد مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ راسخ في القانون الدولي العرفي وقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويمنع دعم أي طرف في نزاع داخلي على نحو يغيّر موازين القوى أو يطيل أمد الصراع. فحين تتحول دولة إقليمية إلى داعم ميداني مباشر لأحد أطراف الحرب، فإنها تفقد تلقائيًا صفة الحياد.

أما من منظور القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، فإن استخدام المنشآت المدنية — مثل المطارات المدنية — لأغراض عسكرية يُعدّ خرقًا جسيمًا لمبدأ التمييز بين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ويعرّض المدنيين لخطر الهجمات، ويحوّلهم إلى ضحايا محتملين لصراع لا يد لهم فيه. ويضاف إلى ذلك خرق اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي لعام 1944، التي تنص بوضوح على أن الطيران المدني وبناه التحتية يجب أن تُستخدم لأغراض سلمية، وأي خلط بينها وبين العمليات العسكرية يُعدّ انتهاكًا خطيرًا لقواعد الملاحة الجوية الدولية.

بناءً على هذه المعطيات، فإن تحويل مطارات السودان، من دنقلا إلى مروي، ومن بورتسودان إلى كادقلي وكسلا والأبيض وكنانة، إلى نقاط ارتكاز عسكرية، لا يمثل فقط انتهاكًا للسيادة الوطنية، بل يشكل جريمة سياسية وقانونية مركّبة تُسهم في تدويل النزاع وتقويض أي حديث عن الحلول السلمية.

هذا الواقع يقود إلى استنتاج سياسي واضح: مصر اختارت أن تكون طرفًا فاعلًا في الحرب السودانية، لا وسيطًا ولا ضامنًا. ومشاركتها في أي أطر دبلوماسية إقليمية أو دولية تبدو، في ضوء هذه الوقائع، غطاءً سياسياً لتحركات عسكرية ميدانية تناقض خطاب السلام وخفض التصعيد.

إن السودان لا يحتاج أوصياء، ولا يحتمل “أشقاء” يختارون له أطراف الحرب، ولا يقبل أن تُدار سيادته من مدارج مطارات مدنية. ما يحدث اليوم ليس شأنًا عسكريًا فحسب، بل جرس إنذار سياسي وقانوني: إما استعادة القرار الوطني السوداني، أو استمرار البلاد كساحة مفتوحة لانتهاكات تُرتكب باسم “الأمن”، حتى آخر قطرة دم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!