رأي

أيُّ استقلالٍ هذا؟ بين ذكرى الأول من يناير ومعركة استعادة القرار الوطني

سلمان عبد المجيد ود الشيخ

 

سلمان عبد المجيد ود الشيخ 

تعود ذكرى الأول من يناير كل عام محمّلة بأسئلة ثقيلة أكثر من كونها مناسبة للاحتفاء. فبينما تمتلئ المنابر بخطابات الاستقلال، يقف كثير من السودانيين أمام واقعٍ يفرض سؤالاً مشروعاً: هل نعيش استقلالاً فعلياً أم نكتفي بذكراه الرمزية؟ إن الوقوف أمام هذه الذكرى لا ينبغي أن يكون طقساً احتفالياً مجرّداً، بل لحظة مراجعة صادقة لمسار الدولة السودانية منذ خروج المستعمر وحتى اليوم.

يرى تيار واسع من السودانيين أن الاستقلال الذي أُعلن في 1956 ظلّ منقوصاً، إذ غادر المستعمر المباشر، لكن منظومات السيطرة لم تُفكّك، بل أُعيد إنتاجها عبر نخب محلية احتكرت السلطة والثروة، وصادرت القرار الوطني. في هذا السياق، تحوّل مفهوم الاستقلال من سيادة حقيقية إلى شعارات تُرفع، بينما تُدار شؤون البلاد بمنطق الوصاية والتبعية، داخلياً وخارجياً.

أحد أوجه هذا الإشكال يتمثل في العلاقة الملتبسة بين السلطة العسكرية والتنظيمات الأيديولوجية التي هيمنت على الدولة لعقود. فقد جرى، بحسب هذا التصور النقدي، توظيف المؤسسات السيادية، وعلى رأسها الجيش، لخدمة أجندات ضيقة، لا تعكس إرادة الشعب ولا تحمي مصالحه العليا. وبدلاً من أن تكون الدولة أداة لتحقيق المواطنة والعدالة، تحولت إلى جهاز لإدامة الهيمنة وقمع التنوع.

من هنا، يربط أنصار هذا الطرح بين مفهوم الاستقلال الحقيقي وبين ما يصفونه بـ«لحظة المواجهة» التي تفجّرت في 15 أبريل. فبالنسبة لهم، لا تمثل تلك اللحظة مجرد صراع مسلح على السلطة، بل تعبيراً عن تراكم طويل من الاختلالات البنيوية في الدولة السودانية. وهي، في نظرهم، مواجهة مع مشروع سياسي–أمني ظل يحتكر تعريف الوطنية، ويُقصي بقية المجتمع من المشاركة في تقرير مصيره.

ويذهب هذا التيار إلى أن جوهر الاستقلال لا يتحقق بالخطب ولا بالمناسبات، بل بامتلاك السودانيين قرارهم الوطني كاملاً، وفك الارتباط مع أي وصاية خارجية أو داخلية تُدار باسم الأمن أو الدين أو الحفاظ على الدولة. فالسيادة، وفق هذا الفهم، ليست مجرد حدود جغرافية، بل قدرة فعلية على اتخاذ القرار الحر، وبناء مؤسسات تعكس الإرادة الشعبية، لا مصالح النخب.

إن الجدل حول الاستقلال اليوم يعكس أزمة أعمق تتعلق بسؤال الدولة نفسها: أي دولة نريد؟ دولة تُدار من فوق، أم دولة تُبنى من القاعدة على أساس المواطنة المتساوية؟ دولة تحرس امتيازات فئة، أم دولة تحمي حقوق الجميع؟ الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تمنح الأول من يناير معناه الحقيقي، أو تفرغه منه.

في نهاية المطاف، يبقى الاستقلال مساراً مستمراً لا حدثاً منجزاً. وهو، قبل أن يكون تاريخاً في الروزنامة، فعلٌ يومي لاستعادة القرار الوطني، وبناء دولة لا تُدار بالوصاية، ولا تُختزل في سلطة السلاح، بل تقوم على إرادة شعبٍ يطالب بحقه الكامل في السيادة والكرامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!