رأي

من عرش الذهب الي قفص الذل،،،،، لماذا لم يتعلم الطغاة؟

د.عبد الله محمد ادم ..كمبالا

 

د.عبدالله محمد ادم كمبالا

منذ فجر التاريخ، وإلى اليوم، يتكرر المشهد بمأساويةٍ مُقلقة: رجلٌ يعلو على كرسي الحكم، فيبدأ بالانتفاخ كبالون من الغرور، يظن أنه تجاوز بشخصه حدود البشر، و أن قدره أن يسود ويُسَيِّر شعبه، لا أن يُسَاس أو يُحاسَب بمؤسسات الدولة، يقرأ من نفس الكتاب القديم، كتاب العزلة و الخراب و يشرب من نفس الكأس المسمومة، كأس الخوف من شعبه، و الاعتقاد بأن القوة وحدها، قوة الحديد والنار، هي التي تُبقي العروش.

إنه درس التاريخ الأكثر وضوحاً، والأكثر تجاهلاً من قبلهم،لكن الطغاة لا يتعلمون، يمرون كظِلالٍ شريرة فوق أوطانهم، من فرعون الذي قال “أنا ربكم الأعلى”، إلى الشاه الذي بنى قصراً فاخراً على أنقاض كرامة الإيرانيين، إلى موبوتو الذي سرق ثروة زائير كما يسرق اللص جرة الفقراء،٢ و يمر المشهد بصدام حسين الذي حول دجلة والفرات إلى أنهار من الدماء، و حسني مبارك الذي نامت مصر تحت حكمه ثلاثين عاماً في سبات البؤس، ومعمر القذافي الذي تلاعب بليبيا كما يتلاعب طفلٌ بمجسمات الرمل، و عمر البشير الذي مزق السودان بأظافره. و ها هو مادورو، آخر العابرين حتى الآن و ربما قريبا جدا نري البرهان في هذا الموكب المخزي، يقوده الجندي الأمريكي من سريره كما تُقاد البقرة الذلول، مكبل اليدين، بعد أن اجاع شعبه حتى الموت.

إنها النهاية، مهما اختلفت التفاصيل، تصير نسخة مكررة من الذل و الهوان، يشبهون طفلٌا انتُزعت من يده سكينة، لكنها هنا سكينة السلطة المطلقة، وسكينة التعذيب، وسكينة سرقة أرزاق الشعوب. ينسون أن هذه السكين ذات حدين، حدٌ يوجهونه إلى صدور أهلهم، وحدٌ أخير ينتظر أعناقهم. ينظرون إلى جيوشهم المدججة بأحدث الأسلحة، إلى ثرواتهم المكدسة في بنوك سويسرا ولندن، إلى صورهم المنتشرة في كل شارع، فيظنون أنهم أبديون. ولكنهم حين يسقطون، يسقطون بوحشية تتناسب مع وحشيتهم. يسقطون كصدام في حفرة مظلمة، كالضب الهارب من لهيب الشمس، فلا يجد في الصحراء الواسعة إلا جحرٍ ضيق لم يحمه من جنود امريكا، سيسقطون كحسني مبارك خلف قضبان القفص الحديدي، يسقطون والقذافي يلفظ أنفاسه الأخيرة في مجرًى للصرف الصحي، هذا ما حدث و ما سيحدث للطغاة في الدنيا و لن ينجو من عذاب الاخرة

لكن لماذا؟ لأنهم نسوا معادلة التاريخ البسيطة والعادلة، فمن يزرع الريح يحصد العاصفة، فلقد اذاقوا شعوبهم مرارات الفقر، وصنوف العذاب، ومرارات الذل، أفقرُوا البلاد و أغنوا أنفسهم، باعوا المستقبل لأجل بقاء الحاضر فماذا تبقى لهم حين تسقط الأقنعة؟ لا حزنٌ عليهم، لا تأبين، لا شرفٌ يُذكر، فقط صمتٌ مطبق من شعوب تنظر، أو قد تبتسم ابتسامة مريرة، بروداً وهي ترى الجلاد يُساق إلى مقصلة من صنعه ،و المفارقة المرة أنهم، في خوفهم الأعمى، يضعون ثقتهم في أعداء حقيقيين، يشترون السلاح ممن يتربص بهم، يودعون الأموال عند من يستعد لشَنقهم اقتصادياً وسياسياً، ظنوا أن واشنطن أو غيرها حليف، وهي لا ترى فيهم سوى أدوات مرحلية، تُستخدم حتى تنتهي صلاحيتها، ثم تُلقى في سلة المهملات التاريخية بقسوة المُستخدم المحترف.

إن كتاب الطغاة لم يُغلق بعد، فصفحاته تُكتب بدماء جديدة في أماكن متفرقة من عالمنا،والسودانيون اجدر من يفهم معني ما اقول، لكن خلاصته تبقى واحدة، وخطها الأخير محفوظٌ بقلم الإرادة الشعبية، عاجلاً أم آجلاً، فكل طاغية هو ظل زائل، مهما طال، وأن كل سكين اغتصاب ستنتزعها يد التاريخ القوية، لتترك حاملها في مواجهة مصيره المُخْزِي، وحيداً، كما بدأ. فلينظر من بيده السلطة اليوم، فلينظر إلى تلك الصور المتسلسلة في متحف الطغيان، وليتذكر أن مكانه في ذلك المتحف مُحجوز، إذا ما استمر في شرب نفس الكأس، وقراءة نفس الكتاب الذي لم ينتهِ سطرُه الأول قط إلا بدمارٍ وحِداد،خزي للطاغية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!