
سمية النور دهب.. دبلن
يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين عادت لتقف في قلب الجدل السياسي البريطاني، لا بوصفها حركة دعوية أو تنظيمًا فكريًا، بل كملف أمني وسيادي يفرض نفسه على طاولة الدولة. فالنقاش الذي شهده مجلس اللوردات مؤخرًا حول إمكانية تصنيف الجماعة، أو بعض فروعها، كمنظمات إرهابية، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو مجرد تفاعل مع خطوة أمريكية، بل بوصفه مؤشرًا على تحوّل أعمق في نظرة الغرب إلى التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود.
لسنوات طويلة، شكّلت بريطانيا أحد أكثر البيئات تساهلًا مع نشاط الإخوان، مستندة إلى مقاربة قانونية ضيقة تفصل بين “العنف المباشر” و”العمل السياسي أو الدعوي”. غير أن هذه المقاربة باتت اليوم محل مساءلة جدّية، في ظل تزايد القلق من الأدوار غير المباشرة التي تلعبها الجماعة عبر شبكات التمويل، والعمل الخيري، والتأثير المجتمعي، وصولًا إلى محاولات التأثير السياسي داخل وخارج الحدود البريطانية.
اللافت في نقاش مجلس اللوردات أنه لم يعد محصورًا في أسئلة استخباراتية تقنية، بل انتقل إلى فضاء سياسي صريح: هل تمثل جماعة الإخوان تهديدًا لقيم الديمقراطية نفسها؟ وهل يمكن القبول بتنظيم يؤمن في جوهر خطابه بأولوية “الجماعة” على الدولة، و”الولاء العقائدي” على العقد الاجتماعي؟
استدعاء التجارب الأوروبية، لا سيما الفرنسية والألمانية، يعكس إدراكًا متزايدًا بأن خطر الإخوان لا يتجلى فقط في العنف، بل في قدرتهم على التغلغل البطيء داخل المجتمعات، وتوظيف الحريات الديمقراطية لتقويضها من الداخل. وهنا تكمن المفارقة: تنظيم يرفض الدولة المدنية، لكنه يحتمي بقوانينها؛ ويهاجم قيم التعدد، بينما يستثمر في فضاء التعدد نفسه.
في هذا السياق، تبدو بريطانيا أمام مفترق طرق. فإما الاستمرار في سياسة “الإدارة الناعمة” للملف، بما تحمله من مخاطر تراكمية، أو الانتقال إلى مقاربة أكثر صراحة ووضوحًا، تضع الخطوط الحمراء بين حرية التنظيم والعمل المشروع، وبين استغلال الفضاء الديمقراطي لخدمة مشاريع أيديولوجية إقصائية.
التحفّظ الحكومي، كما عبّر عنه وزير الداخلية، مفهوم من زاوية الحسابات القانونية والأمنية، لكنه لا يلغي حقيقة أن الزمن لم يعد يعمل لصالح الغموض. فالعالم يتجه نحو إعادة تعريف مفاهيم التطرف والتهديد، ولم يعد العنف وحده معيار الحكم، بل المشروع الفكري، والشبكات، والأثر المجتمعي طويل المدى.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل تحذو لندن حذو واشنطن؟
بل: إلى متى تستطيع بريطانيا تأجيل مواجهة سؤال الإخوان دون أن تدفع ثمن الصمت؟




