رأي

السودان ساحة الصراعات الدولية والإقليمية: كيف يشكل التنافس العالمي والإقليمي المشهد السياسي والأمني؟

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة 

 

لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة 

تشير التطورات الراهنة في السودان إلى ديناميكيات معقدة ومتشابكة، تجمع بين الضغط الدولي والإقليمي والصراع الداخلي، مما يجعل المشهد السياسي والأمني أكثر تعقيدًا مما هو ظاهر على السطح. وفي ظل هذه الظروف، يبدو السودان اليوم مركز جذب للتدخلات الأجنبية، سواء عبر أدوات دبلوماسية، أو دعم مباشر للفصائل المحلية، أو تحركات عسكرية غير معلنة، بما يعكس أهمية البلاد الاستراتيجية ومواردها الطبيعية والاقتصادية.

الضغط الأمريكي عبر الوسيط مسعد بولس يوضح بجلاء إصرار واشنطن على فرض مسار للسلام باستخدام الوسائل الدبلوماسية. هذا التوجه يعكس قلق الولايات المتحدة من تصاعد النفوذ الروسي والصيني في السودان، ويؤكد أن المصالح الأمريكية تواجه تهديدًا في حالة استمرار الفوضى، مما يجعل جهود واشنطن متسقة مع حماية مصالحها الحيوية في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالموارد والحدود الحيوية. ومع ذلك، من غير المرجح أن تؤدي الضغوط الأمريكية منفردة إلى وقف الحرب، دون توافق إقليمي ودولي شامل، وإدراك الأطراف لضرورة إنهاء الصراع داخليًا.

في هذا السياق، تحركت مصر بشكل واضح عبر تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع حكومة عبد الفتاح البرهان، وهو ما يوضح تحول القلق المصري من مجرد موقف سياسي إلى فعل مادي ملموس تحت حجة حماية الأمن القومي وتأمين الحدود الجنوبية. هذا التحرك يشير إلى خروج مصر من الحياد، ويعيد رسم خطوط النفوذ الإقليمي بشكل مباشر، مما يفتح المجال لتدخلات واضحة في السودان من قبل دول أخرى متأثرة بهذا التوازن الجديد.

السباق الإقليمي أصبح واضحًا؛ فمحور مصر والإمارات والسعودية يسعى للعب دور أكثر فاعلية على الأرض، بينما تحاول تركيا وقطر دعم الجماعات الإسلامية عبر وسائل متنوعة، بما فيها الدعم العسكري المباشر. تزايد الطائرات المسيرة التركية، التي استطاعت قوات الدعم السريع إسقاطها، يظهر حجم التنافس على الأرض، ويعكس أن قوات التأسيس في طريقها لفرض واقع جديد على الأرض، سواء في المجال العسكري أو السياسي، وهو ما يؤكد أن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل مركزًا للتنافس على المصالح الاقتصادية، من الذهب والمياه إلى الأراضي الزراعية على البحر الأحمر.

في هذا السياق، يظل موقف قوات الدعم السريع الأكثر مرونة واستجابة، إذ استطاعت تحقيق تقدم ميداني ملموس رغم التحديات، بينما يواصل البرهان إحياء اتفاقية الدفاع المشترك، ما يعقد المشهد ويزيد من حدة التوترات الإقليمية. ومن هنا، تبدو الجهود الأمريكية عبر الرباعية بحاجة إلى وضوح أكبر، بحيث تمارس ضغوطًا مباشرة على مصر لوقف دعمها، وعلى الجماعات المسلحة الإسلامية لوقف التحشيد، لتفادي تمدد النزاع بشكل أكبر.

ختامًا، يتضح أن التدخلات الدولية والإقليمية في السودان يجب أن تكون فعالة ومتكاملة، مع دعم واضح لحكومة التأسيس، لتلعب دورًا دبلوماسيًا نشطًا على المستوى الإقليمي والدولي، بما يضمن إيصال صوتها وتوضيح مواقفها دون مواربة، وإيجاد توافق داخلي يسمح بإنهاء الصراع، وتحويل السودان من ساحة للصراعات الخارجية إلى دولة مستقرة تستطيع حماية شعبها ومصالحها الحيوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!