💥 💥 💥 ( بعد مضي 1000 يوم علي إندلاع الحرب، نعيد نشر مقال كتبته بعد مرور 100 يوم علي انطلاق الحرب، وتحديداً في 25/7/2023 ).
دكتور عادل سهل

عادل ود سهل يكتب …
من أجل الوطن الذي يبدأ من القلوب
كيف لا نخسر بعضنا في زمن الحروب
في السودان اليوم لا تنفجر القذائف فقط في أطراف المدن والقرى، بل تنفجر أولاً في صدور الناس، وفي بيوت الأسر، وبين مقاعد الدراسة القديمة، وفي منصات الرفاق التي جمعتنا يوماً على الضحك وتبادل الذكريات.
هذه الحرب لم تكتفِ بتهجير الأجساد، بل هجّرت الأرواح من بعضها، فقسّمت الإخوة إلى معسكرين، والأصدقاء إلى خصمين، وأبناء الحي الواحد إلى جبهتين متقابلتين لا يربط بينهما إلا حبل الكراهية المشدود على عنق الوطن.
ما يحدث في السودان الآن أخطر من الرصاص؛ فالرصاصة تُنهي حياة فرد، أمّا هذه الحرب فتفكّ بالمجتمع نفسه. إنّها تضرب العلاقات، وتكسر ما بُني بين الناس عبر السنين، وتفرّغ كلمة «نحن» من معناها. في هذه الحرب اصبح الجو مشحون، والناس متعبة، والأعصاب متوترة وعلى حافّة الانفجار؛ يكفي تعليق متسرّع أو كلمة غير محسوبة لتتحوّل إلى قطيعة، ويكفي منشور واحد ليهدم علاقةٍ صمدت عشرات السنين تغذيها الصداقة والعشرة والجيرة والزمالة والمحبة.
النقاشات تدور بلا توقّف، والمنشورات تتطاحن، والآراء تتناطح، كأنّنا في سوقٍ مفتوح للمزايدات على الوطنية، لا في وطنٍ يفتّش عمّن ينقذه من السقوط الأخير. التعليقات تبدأ رأياً برأي، ثمّ تنقلب إلى إدانة، فإلى خصومة، ثم تنحدر إلى عداوةٍ صريحة، وفجأة نجد أخوين لا يتحدّثان، وأبناء عمومة يتبادلون الحظر، وأصدقاء طفولةٍ شربوا من كأس واحدة، مستعدّين لو انكسر الزمن قليلاً أن يرفع أحدهم السلاح في وجه الآخر.
في هذه الحرب ووسط هذا الضجيج، يجب أن نتذكر شيئاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد، انه لا يوجد نقاش، ولا منشور، ولا مداخلة، يستحق أن تخسر بسببه أمّاً أو أباً، أخاً أو أختاً، ابنا أو بنتاً، قريباً أو صديقاً، زميل دراسة أو زميل عمل، رفيق طفولة أو جارك الذي شاركك اللقمة والماء والهمّ في سنوات الضيق.
هذه الحرب قد دخلت البيوت، واستقرّت في الصالات، ونامت بين الأرحام، وتمدّدت في صمتٍ داخل شبكة المعاني التي تربط الناس ببعضهم.
قد تكون لبعض البنادق حكاياتٌ طويلةٌ مع الظلم والتهميش، لكنّ ذلك لا يبرّر أن نسمح للدم أن يتحوّل إلى لغةٍ بين أبناء الوطن الواحد. حين يتحوّل ابن القبيلة الواحدة إلى عدو، ورفيق الطفولة إلى خصم، وزميل الأمس إلى هدفاً محتملاً للقتل إذا سنحت الفرصة، عندها لا يكون الوطن قد انهار في جغرافيّته فقط، بل يكون قد انهار أولاً في ضمائرنا. الوطن يبدأ من طريقة حديثك مع من يختلف معك، قبل أن يبدأ من أي حدودٍ مرسومةٍ على خريطة.
فلنكن صادقين مع أنفسنا صدقاً موجعاً ولكن لا بدّ منه ما من رأيٍ سياسي، ولا موقفٍ عسكري، ولا انحيازٍ أيديولوجي، يستحقّ أن تخسر لأجله دماً من رحمك. ما من منشورٍ يستحق أن تكسر به خاطر أخيك، ولا بثٍّ مباشراً يستحق أن تقاطع بسببه زميل دراستك ورفيق عمرك، ولا تعليقٍ عابراً يليق أن يتحوّل إلى حقدٍ بينك وبين من شاركك العمر والذكريات ومقعد الدراسة ولقمة الشدّة.
ناقِش كما تشاء، فالنقاش حق، والاختلاف سنّةٌ بشرية لا يمكن إلغاؤها. تحدّث عن الجيش، عن الأحزاب، عن التيّارات الأيديولوجيّة، عن كلّ ما تشاء؛ لكن تذكّر أنّ صفتك الأولى ليست «مؤسّسةً» ولا «تنظيماً» ولا «تيّاراً»، صفتك الأولى أنّك سوداني، وأنّ الذي أمامك — مهما خالفك الرأي — فهو سوداني مثلك، يحمل حزن هذه البلاد على كتفيه، ولو حمله بطريقةٍ لا تعجبك. قل رأيك بوضوح، ودافع عن قناعتك بشجاعة، لكن لا تطعن كرامة من يخالفك، ولا تسفّه عقله، ولا تحتقر ألمه؛ واجعل إنسانيّتك سقفاً لا تسمح لحمّى الغضب أن تتجاوزه.
لا الجيش سيمنحك رتبة «جنرالٍ عظيم» لأنّك شتمت خصومه في فضاءات التواصل، ولا أيّ تيّارٍ سياسي سيرفع صورتك على جدار الوفاء لأنّه استخدمك جنديّاً مجانياً في معارك الكلام. الكلّ، بلا استثناء، يدير مشروعه، بينما تتحوّل أنت إلى رأس مالٍ مستهلكٍ في سوقٍ كبيرٍ اسمه «الحرب». هذه حرب تدمّر البلد كلّه؛ لا تستثني بيتاً لأنّه أعجبها منشور صاحبه، ولا تحافظ على روحٍ لأنّها انتصرت في نقاشٍ إلكترونيٍ طويل.
الوطنيّة ليست بالصوت العالي، ولا بالشتيمة، ولا بتخوين المختلف معك؛ الوطنيّة الحقيقيّة تلك العملة النادرة في هذا الزمان أن تختلف وتحافظ على الإنسان. أن تقول: «أنا أرى غير رايك» دون أن تقول: «أنت خائن»، وأن تجادل من غير أن تدوس على كرامة أحد، وأن ترفع صوتك في وجه الحرب، لا في وجه أهلك. أخطر ما أصابنا أنّنا بدأنا نتعامل مع الرأي كأنّه هويّةٌ نهائيّة: من وافقنا فهو وطني، ومن خالفنا فهو عدو، وهذه العقليّة هي التي تجعل الجار مستعدّاً أن يقتل جاره إذا ظنّ أنّ الفرصة قد حانت.
تنبّه في كلماتك ألّا تكون مسيئة؛ فالكلمة الجارحة لا تُمحى بزرّ «حذف»، ولا يطهّرها اعتذارٌ بارداً، بل تبقى معلّقةً في ذاكرة من أهنته كلّما رأى صورتك أو سمع اسمك. راقب تعليقاتك، واسأل نفسك قبل أن تضغط «إرسال»: هل هذه الجملة ستصلح شيئاً أم ستكسر شيئاً؟ هل تقرّبنا من وطنٍ نتقاسمه، أم تدفعنا خطوةً أخرى إلى حافّة هاويةٍ جديدة؟ كن جيّد الاستماع قبل أن تكون شديد الهجوم، وجيّد التعليق قبل أن تكون سريع الإدانة.
الإساءة لا تُقاس بالمال، لكنّها قادرةٌ أن تخرب علاقاتٍ لا تُشترى بأيّ مال. تستطيع أن تبني بيتاً جديداً بعد أن يُهدَم، ولكن كيف تبني قلباً انكسر لأنّك آثرت أن تكون ابن خندقٍ لا ابن رحم؟ كيف تستعيد وجوهاً أغلقتها في «حظر» الروح لا في حظر الحساب؟ إيّاك أن تسمح للحرب أن تنتصر في قلبك قبل أن تنتهي على الأرض؛ فالهزيمة الحقيقيّة أن تخرج من الحرب بوطنٍ على الخارطة، لكن بلا وطنٍ في صدور أهله.
لا تخسر أهلك من أجل رأيٍ سياسي. لا تقاطع جيرانك لأنّهم يرون خلاص السودان من زاويةٍ تختلف عن زاويتك. لا تحوّل أصدقاءك وزملاءك ودفعتك إلى قائمة أعداء، فهذه حرب عابرة ستنتهي يوماً ما، بينما علاقةٌ إنسانيّةٌ صادقة قد لا تتكرّر مرّةً أخرى في حياتك. إساءةٌ في واقعٍ افتراضي قد تجرّ خصومةً في الواقع الحقيقي، وقد تصنع قطيعةَ رحمٍ تحرم أطفالكم غداً من أن ينادي بعضهم بعضاً: «يا ابن عمي» أو «يا خالي».
هذه ليست دعوةً إلى الصمت، بل دعوةٌ إلى الرحمة. وليست دعوةً إلى حيادٍ بارداً، بل تذكيراً بأنّنا بشرٌ قبل أن نكون أنصاراً ومعارضين، وبأنّ الحصّة وطن — نعم ولكنّ الحصّة أيضاً أسرة، وحيّ، ودفعة، وناس عرفوا بعضهم في الفرح والحزن قبل أن يعرفوا أسماء الجنرالات وقادة الحروب، لنتكلّم كسودانيّين فقط، بلا انتماءٍ يعمي، وبلا شتيمةٍ تهدم، وبلا تعالٍ على وطنيّة الآخرين؛ لنجعل من اختلافنا دليل حياة، لا مشروع موت.
ولنحفظ في قلوبنا مساحةً نظيفةً لأهل السودان، حتى إذا انتهت هذه الحرب وستنتهي نجد طريقاً نرجع به إلى بعضنا دون خجل، ودون جروحٍ لا تُشفى.
دمتم على محبّة أهل السودان، ودام فينا ما تبقّى من إنسانيّتنا، رغم أنف الحرب.
✍️ عادل ود سهل
( قال كلمته، ومضى ……. 🚶♂️🚶♂️🚶♂️)
25 يوليو 2023
💥 💥 💥
.




