رأي

ولاية الجزيرة: كيف حوّل الكيزان مشروع الغذاء العالمي إلى اقتصاد أزمات وسرقة باسم الحرب

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

في ولاية الجزيرة لا يمكن تفسير انهيار الاقتصاد وضعف الخدمات بنقص الإمكانيات أو “سوء الحظ”. ما يحدث هو نتاج خطة ممنهجة، وسياسات مقصودة، صاغها الإسلامويون (الكيزان) بعناية لتدمير الإقليم وتحويله من مشروع غذائي عملاق إلى مساحة للفقر والعطش والمرض والانكسار.

 

الجزيرة ليست ولاية فقيرة. هي قلب السودان الزراعي، ومشروعها الزراعي كان يمكن أن يكفي السودان ويُصدِّر للعالم. الأرض خصبة، والمياه متوفرة، والإنسان منتج، والخبرة متراكمة. لكن المفارقة القاسية أن مواطن الجزيرة اليوم يعاني من انقطاع الكهرباء والمياه، وتدهور الصحة والتعليم، وانعدام أبسط مقومات الحياة. هذا التناقض وحده يكشف أن الأزمة ليست طبيعية، بل سياسية بامتياز.

 

القصة الحقيقية التي عاشتها إحدى قرى غرب المناقل تختصر المشهد كله. قرية تطالب بالكهرباء، وهو حق أساسي وليس “منة” من سلطة. سنوات من الانتظار بين مسؤول وآخر، وكلهم يَعِدون ولا يفعلون. في النهاية قرر أهل القرية الاعتماد على أنفسهم: معلمون، مزارعون، موظفون، مغتربون، جمعوا التبرعات واقتطعوا من قوت يومهم ليبدأوا مشروع الكهرباء بأموالهم.

 

وهنا ظهر جوهر الأزمة. أحد قيادات الكيزان في المنطقة كان يبرر تأخير الكهرباء بأن “القرية لا تدعم النظام”. أي أن الخدمة تحولت من حق للمواطن إلى أداة ابتزاز سياسي. ثم صار هذا الشخص نفسه مسؤولاً عن إيداع المبلغ في بنك المزارع بالمناقل. وعندما جاء الأهالي لبدء التنفيذ وسحب جزء من المال، كانت الصدمة: “المبلغ صُرف لدعم المجاهدين في حرب الجنوب”.

 

أي وقاحة هذه؟

ما علاقة قرية في غرب المناقل بحرب الجنوب؟

وما علاقة أموال جمعت من فقراء لخدمة الكهرباء بحروب النظام ومغامراته الأيديولوجية؟

 

هذه ليست حادثة فردية، بل نموذج لسياسة متكاملة:

صناعة الأزمة، ثم استثمارها، ثم نهب موارد الناس باسم الوطن والدين والحرب.

 

الكيزان لم يفشلوا في إدارة الاقتصاد، بل نجحوا في تدميره عن قصد. لأن اقتصاداً قوياً ومجتمعاً مستقراً يعني شعباً واعياً قادراً على المحاسبة. لذلك كان الخيار هو الإفقار، وإضعاف الخدمات، وإشغال الناس بمعارك البقاء: كهرباء، ماء، دواء، رغيف… حتى لا يسأل أحد: من سرق؟ ومن حكم؟ ولماذا؟

 

اليوم تتكرر المسرحية نفسها باسم الحرب و“المقاومة الشعبية”. نفس الوجوه، نفس العقليات، نفس الشراهة للنهب. تُفتح الخزائن باسم الدفاع عن الوطن، وتُنهب الموارد باسم الطوارئ، وتُصادر حقوق المواطنين باسم “الظروف الاستثنائية”. والضحية دائماً هو إنسان الجزيرة، الذي يُطلب منه أن يصبر، ويدفع، ويصمت.

 

ولاية الجزيرة ليست عاجزة، بل مُعطَّلة عمداً.

اقتصادها لم ينهَر لأنه ضعيف، بل لأنه استُهدف.

وخدماتها لم تختفِ لأن الإمكانيات قليلة، بل لأن الفساد أكبر من أي ميزانية.

 

فضح هذه الحقيقة هو بداية الطريق لاستعادة الحقوق.

فلا تنمية مع سلطة الأمر الواقع، ولا عدالة مع منظومة صنعت الأزمات لتعيش عليها.

والجزيرة، بكل خيرها، لن تنهض إلا بزوال الكيزان ومشروعهم القائم على السرقة، والتضليل، وصناعة الخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!