رأي

دم الحوازمة… حين يسقط القناع ويُعرَف الجاني

الصديق المريود

 

كيف يستقيم الظل و العود اعوج ؟ 115

الصديق المريود

اريزونا الولايات المتحدة الأمريكية 

ليس ما يجري في جنوب مدينة الأبيض حدثًا عابرًا ولا انزلاقًا عشوائيًا في حربٍ عبثية، بل هو فعلٌ منظّم، مكتمل الأركان، تتكرر مشاهده كلما أُطلقت يد العنف باسم الدولة، واختُطف الجيش ليؤدي دورًا لا يشبه رسالته الوطنية. ما شهدته قرى وحلال الحوازمة في علوبة، والبان جديد، ومحلية الدبيكر، وخشم الوادي، هو جريمة واضحة المعالم، حين واصلت مليشيات جيش عبد الفتاح البرهان، المدعومة بالمليشيات العقائدية وكتائب الحركة الإسلامية وقوات النهب المسلح المعروفة زورًا بـ«القوات المشتركة»، ارتكاب انتهاكات جسيمة ومنهجية بحق مدنيين عُزّل.

 

لم يكن الضحايا جنودًا في ساحة قتال، ولا أطرافًا في نزاع مسلح، بل نساءً وأطفالًا وشيوخًا ومزارعين ورعاة، لم يحملوا سوى مفاتيح بيوتهم، ولم يملكوا سوى ماشيتهم وعرق السنين. قُتل العشرات، وسُحل البعض، وضُرب آخرون، وفُقد المئات، وتعرّضت القرى لعمليات نهب منظّم للمواشي والممتلكات، في سلوك إجرامي لا أخلاقي ولا إنساني، يعكس نمطًا متكررًا درج عليه الجيش ومليشياته المتحالفة، ويؤكد أن ما جرى ليس تجاوزات فردية، بل سياسة عنف معتمدة.

 

وبحسب إفادات ميدانية متطابقة، اجتاحت كتائب الإسلاميين والمليشيات المشتركة القرى الآمنة، ونفّذت عمليات قتل انتقامية اتسمت بأقصى درجات الوحشية والتشفي، في محاولة لبث الرعب، وكسر المجتمعات المحلية، ومعاقبتها جماعيًا على أساس الجغرافيا والاشتباه السياسي. وقد جرى وسم هذه المناطق زورًا وبهتانًا تحت ذريعة ما يُسمّى بـ«حواضن الدعم السريع»، في خرق صارخ لمبدأ عدم جواز العقاب الجماعي، وتحويل المدنيين إلى أهداف مشروعة للقتل والتنكيل.

 

حين تتحرك قوات مشتركة بغطاء رسمي، وتُفتح لها الطرق، ويُمنح حلفاؤها السلاح والشرعية، فإن المسؤولية لا تتجزأ ولا تضيع. القيادة التي تسمح، أو تصمت، أو تبرر، شريكة في الجريمة كاملة الأركان. هذا النهج ليس طارئًا، بل سياسة مجرَّبة للحركة الإسلامية منذ عقود: تفويض العنف، إطلاق المليشيات، وتمزيق النسيج الاجتماعي حتى يسهل حكم الخوف والركام. وكما قيل قديمًا: السكوت علامة الرضا، ومن رضي بالجريمة صار شريكًا فيها، ولو ادّعى الحياد.

 

إن هذه الأفعال تُعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب مكتملة الأركان، وترقى إلى مستوى الجرائم الدولية الخطيرة، بما في ذلك الاستهداف على أساس عرقي ومناطقي، وممارسات العقاب الجماعي، في مخالفة صريحة لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. وتتحمّل القيادات العسكرية التابعة لمليشيات الحركة الإسلامية، إلى جانب القيادات السياسية والعسكرية الآمرة والمنفذة والمسهّلة، المسؤولية القانونية الكاملة عن هذه الجرائم دون استثناء.

 

أهلنا الحوازمة ليسوا طارئين على هذه الأرض، ولا هامشًا في تاريخ السودان. هم جزء أصيل من نسيجه الاجتماعي، ومن توازنه الرعوي والزراعي، ومن حكمة الصبر وصلابة العيش. استُهدفوا لأنهم صامدون، ولأنهم رفضوا أن يكونوا وقودًا لحرب لا تشبههم، أو أدوات في مشروع لا يعترف بالإنسان إلا حين يخضع. لكن التاريخ علّمنا أن المحن لا تكسر الشعوب الحية، بل تزيدها تماسكًا، وأن الدم لا يتحول ماءً، مهما طال الزمن.

 

نحمّل قيادة مليشيات الجيش والمليشيات المتحالفة معها المسؤولية الجنائية الكاملة عن هذه الجرائم، ونطالب بفتح تحقيق دولي مستقل وعاجل، ومساءلة كل من تورّط أو أمر أو سهّل أو تستّر، مع ضمان حماية المدنيين، ووقف فوري وشامل لهذه الانتهاكات، ووضع حد نهائي لسياسة الإفلات من العقاب. فالحرب لن تبني وطنًا، ولن تحمي دولة، والحل الوحيد هو مسار سياسي شامل يعيد للسودان معناه، ويصون دم أهله، ويُنهي زمن القتل المجاني.

لا حول ولا قوة إلا بالله.

الرحمة لشهداء هذه القضية ، والعدالة آتية لا محالة، مهما طال الليل، فالفجر لا بد أن يأتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!