رأي

الفئران تموت أولًا: فهل ننتظر دور الإنسان؟

بروفيسور سيف الدين عبد الرحمن

 

بروفيسور/ سيف الدين عبد الرحمن

في مقال سابق اشرنا الي تساؤلات حول ظاهرة نفوق أعداد كبيرة من الفئران في مناطق متفرقة من السودان، في ظل الانهيار البيئي والصحي المصاحب للحرب و غياب مؤسسات الدولة.

ورغم تضارب التفسيرات، فإن الظاهرة تستدعي قراءة علمية هادئة، لا سيما أن القوارض تُعد في علم الأوبئة مؤشرات مبكرة لأمراض مشتركة بين الإنسان و الحيوان، من بينها الطاعون.

 

علميًا، يُعرف الطاعون بأنه مرض بكتيري تسببه بكتريا تعرف ب Yersinia pestis، وتنتقل العدوى في الطبيعة أساسًا بين القوارض عبر البراغيث، وقد تصل إلى الإنسان عند اختلال التوازن البيئي. و تؤكد منظمة الصحة العالمية أن القوارض البرية تمثل مستودعات طبيعية للبكتيريا في مناطق عديدة من العالم، وأن مراقبة نفوقها أو تغير سلوكها يُعد جزءًا أساسيًا من أنظمة الإنذار المبكر.

كما تشير الدراسات الوبائية إلى أن النفوق المفاجئ وغير المعتاد للفئران قد ينتج عن تفشي أمراض داخل تجمعات القوارض نفسها. غير أن التاريخ الصحي يبيّن أن بعض موجات الطاعون الكبرى سُبقت بملاحظات عن نفوق غير طبيعي للفئران، كما حدث في وباء «الموت الأسود» في القرن الرابع عشر، الذي أودى بحياة ملايين البشر في أوروبا وآسيا.

أما في السياق السوداني، تتقاطع هذه الظاهرة مع عوامل خطرة، أبرزها تدهور خدمات الصحة العامة، وغياب الرقابة البيئية، وتراكم النفايات، إضافة إلى آثار العمليات العسكرية على البنية التحتية والمصادر المائية. و في هذه الظروف ترتفع احتمالات انتقال الأمراض المشتركة بين الحيوان والإنسان. و رغم ذلك، أن نفوق الفئران وحده لا يُعد دليلًا على تفشي الطاعون بين البشر، إذ لا يمكن الجزم بوجود المرض دون فحوصات مخبرية دقيقة. فالتهويل قد يثير الذعر، كما أن التجاهل قد يسمح بتفاقم خطر صحي صامت.

و من زاوية دينية، يحث الإسلام على الأخذ بالأسباب والوقاية. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 30)في إشارة إلى مسؤولية الإنسان عن أفعاله وتأثيرها في البيئة.كما أرشد النبي ﷺ إلى مبادئ العزل الصحي في مواجهة الأوبئة بقوله: «إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تأتوها، وإذا وقع في أرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها»، وهو توجيه ينسجم مع مبادئ الصحة العامة الحديثة.

 

توصيات وتدابير وقائية مباشرة للمواطنين:

 

*عدم لمس الفئران أو أي حيوانات نافقة، و عدم رميها باليد مباشرة.

 

استخدام قفازات أو أدوات عند الاضطرار للتخلص من الحيوانات النافقة، مع غسل اليدين جيدًا بالماء والصابون.

 

تجنب النوم أو الجلوس في أماكن تنتشر فيها القوارض أو آثارها.

 

إحكام إغلاق الطعام والمياه داخل المنازل لمنع تلوثها.

 

الإبلاغ عن أي حالات نفوق غير طبيعية للجهات الصحية أو منظمات المجتمع المدني إن وُجدت.

 

مقابلة الطبيب فور ظهور أعراض مثل الحمى المفاجئة، تورم العقد اللمفاوية، أو ضيق التنفس.

 

إن نفوق الفئران في السودان لا ينبغي التعامل معه كخبر عابر، ولا كدليل قاطع على وباء وشيك، بل كإشارة تحذير تتطلب وعيًا مجتمعيًا، وسلوكًا وقائيًا بسيطًا، إلى حين توفر تحقيقات علمية واضحة. ففي ظل ضعف مؤسسات الدولة، يصبح الوعي العام خط الدفاع الأول عن الصحة.

 

*قائمة المراجع:*

 

Perry, R. D., & Fetherston, J. D. (1997). Yersinia pestis—Etiologic agent of plague. Clinical Microbiology Reviews, 10(1), 35–66.

https://doi.org/10.1128/CMR.10.1.35

WHO. (2017). Plague. World Health Organization.

https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/plague

Green, M. H. (2020). The four black deaths. The American Historical Review, 125(5), 1601–1631.

https://doi.org/10.1093/ahr/rhaa511.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!